أشارت بيانات حديثة صادرة عن الوكالة الأوروبية للمخدرات (EUDA) إلى اتجاه تصاعدي واضح في تعاطي الكوكايين بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 عاماً في النرويج خلال العقد الأخير، في مؤشر يعكس تحولاً تدريجياً في أنماط الاستهلاك داخل واحدة من أكثر الدول الأوروبية استقراراً اجتماعياً.
فبعد تسجيل مستويات منخفضة خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2016، بدأت نسب التعاطي في الارتفاع بشكل تدريجي، قبل أن تتسارع وتيرتها في السنوات الأخيرة، لتصل إلى نحو 5.
6% في عام 2024، ما يضع النرويج في صدارة الدول الأوروبية من حيث هذا المؤشر.
ويعكس هذا المسار انتقالاً من استخدام محدود إلى انتشار أوسع داخل بعض الفئات الشبابية، خصوصاً في البيئات الحضرية، بما ينسجم مع اتجاه أوروبي عام يشير إلى توسع سوق الكوكايين وارتفاع مستوى توفره، في دينامية تتجاوز الحدود الوطنية وتشمل العرض والطلب وشبكات التوزيع.
وبحسب التقرير، الذي نُشر الثلاثاء في بروكسل، لا يقتصر القلق على ارتفاع معدلات التعاطي فحسب، إذ سجلت النرويج 15 حالة وفاة مرتبطة بالكوكايين خلال عام 2024، ما يضعها ضمن الدول الأوروبية العليا من حيث عدد الوفيات المرتبطة بهذه المادة قياساً بعدد السكان البالغ نحو 5.
6 ملايين نسمة.
ويُعزى جانب من هذه المخاوف إلى تنوع تركيباته الكيميائية، بما يرفع مخاطره الصحية.
كما يشير التقرير إلى أن شبكات التهريب أصبحت أكثر مرونة في مواجهة الإجراءات الأمنية عبر تغيير مساراتها وأساليبها، خصوصاً مع تشديد الرقابة في الموانئ الأوروبية الكبرى، ما أسهم في تعقيد جهود المكافحة.
وفي السياق ذاته، يحذّر التقرير من أن زيادة توفر الكوكايين ترتبط بارتفاع مخاطر الجرعات الخطرة دون وعي المستخدمين، في ظل تنامي سوق المواد القوية، إلى جانب توسع المواد الاصطناعية والمواد الأفيونية الجديدة داخل أوروبا، وفقا لبيان صحافي عن مديرة الوكالة الأوروبية لورين نولان.
معدلات تعاطي الكوكايين بين الشباب في الدول الاسكندنافيةويُعد الكوكايين، بعد الحشيش، ثاني أكثر المخدرات غير المشروعة استخداماً في أوروبا، رغم التباين الكبير في مستويات الانتشار بين الدول وأنماط الاستهلاك.
ويتوفر غالباً على شكل مسحوق، بينما يظهر في بعض الأسواق على شكل" كراك" قابل للتدخين، في ظل تزايد ملحوظ في الإتاحة خلال السنوات الأخيرة، وما يرافقه من ارتفاع في التكاليف الصحية والاجتماعية.
ويُنتج الكوكايين من نبات الكوكا المزروع في أميركا الجنوبية، ويصل إلى أوروبا عبر شبكات تهريب معقدة تعتمد بشكل متزايد على الموانئ التجارية الكبرى.
وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى ارتفاع مستويات الجريمة المرتبطة بالمخدرات، بما في ذلك الفساد والترهيب والعنف، خصوصاً في بيئات الموانئ.
وتشير البيانات إلى أن المنافسة داخل سوق الكوكايين أصبحت أحد المحركات الأساسية للجريمة المنظمة، بما في ذلك العنف وجرائم القتل المرتبطة بالعصابات في عدد من الدول الأوروبية، وخصوصا في السويد ودول الجوار الاسكندنافية وألمانيا، من خلال شبكات معقدة وعابرة للحدود، في وقت يتزايد فيه انتشار التعاطي، خصوصاً بين فئات اجتماعية وشبابية معينة.
كما تكشف المعطيات الحديثة عن تغير في أنماط التهريب، إذ سُجّل في عام 2024 انخفاض في الكميات المضبوطة داخل الاتحاد الأوروبي إلى 330 طناً مقابل 419 طناً في 2023، رغم استمرار ارتفاع الإنتاج في أميركا الجنوبية، ما يشير إلى تغير في طرق التهريب وليس إلى تراجع في الإمدادات.
وفي المقابل، أبلغت دول مثل إسبانيا وفرنسا عن أكبر كميات مصادرة، بينما سجلت بلجيكا وألمانيا وهولندا تراجعاً في الضبطيات، في ظل تحولات مستمرة في مسارات التهريب واعتماد المتاجرين على أساليب أكثر تنوعاً وتعقيداً.
وتكشف المقارنة بين الدول الاسكندنافية عن تباين واضح في مستويات انتشار الكوكايين وديناميات السوق غير المشروع.
فبينما تتصدر النرويج المشهد الأوروبي بمعدل يقارب 5.
6% بين الشباب، تسجل الدنمارك (6 ملايين نسمة) مستويات قريبة عند نحو 4.
2%، ما يعكس وجود سوق نشطة نسبياً في البلدين وإن بدرجات متفاوتة.
في المقابل، تبدو السويد (أكثر من 10 ملايين نسمة) أقل من حيث معدلات التعاطي المباشر، بنحو 2.
8%، لكنها تواجه تحدياً أكثر تعقيداً يرتبط بتصاعد العنف في سوق المخدرات.
إذ تشير تقارير أمنية وإعلامية إلى ارتفاع حاد في نشاط العصابات الإجرامية، مع زيادة حوادث إطلاق النار والتفجيرات المرتبطة بالصراع على شبكات التوزيع، خصوصاً الكوكايين.
ويرى متابعون لعنف العصابات في اسكندنافيا أن هذا التصعيد يرتبط بتفكك البنى التقليدية للجريمة المنظمة، وتحول السوق إلى شبكات أصغر وأكثر تنافسية، تتصارع على مناطق النفوذ داخل المدن الكبرى وبعض البلدات جنوبي البلاد، ما أدى إلى مستويات غير مسبوقة من العنف في بلد كان يُعرف تاريخياً بانخفاض معدلات الجريمة.
أما النرويج والدنمارك، فرغم ارتفاع نسب التعاطي مقارنة ببقية أوروبا، فإن مستويات العنف المرتبط بسوق المخدرات تبقى أقل حدة نسبياً ومرتبطة في معظمها بصراع العصابات في السويد، وإن كانت مؤشرات التهريب والتوزيع تعكس ترابطاً متزايداً بين أسواق الدول الاسكندنافية الثلاث.
وتعكس الحالة الاسكندنافية تحولاً تدريجياً من أسواق هامشية للمخدرات إلى جزء فاعل داخل شبكة الكوكايين الأوروبية، حيث يتقاطع ارتفاع الطلب بين الشباب مع توسع التهريب وتعقّد عمل العصابات، ما يجعل المنطقة إحدى أبرز بؤر التحول في خريطة المخدرات داخل القارة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك