أشارت استطلاعات للرأى أُجريت قبل أيام إلى عدم معرفة 20% من الأمريكيين (48.
5 مليون شخص) بمشاركة بلادهم فى استضافة نهائيات كأس العالم.
ولا يُعد هذا الرقم ضخمًا لمن يعرف طبيعة المجتمع الأمريكى، وهناك عدة تبريرات لعدم ارتفاع نسب شعبية كرة القدم بين الأمريكيين كما هو الحال فى بقية دول العالم، وتتعلق أغلبها بطبيعة الأمريكى التنافسية فى جزء كبير منها، والبرجماتية والثقافية فى جزء آخر.
بدايةً، يحتل المنتخب الوطنى الأمريكى لكرة القدم المركز الـ16 فى ترتيب «فيفا»، وقد تأهل الفريق للدور الثانى فى بطولة كأس العالم الأخيرة بقطر، ويُتوقع له أن يبلى بلاءً حسنًا فى كأس العالم الجارية.
إلا أنه، ورغم ذلك، لا تتمتع كرة القدم بشعبية مماثلة للشعبية التى تعرفها لعبة الفوتبول (كرة القدم الأمريكية)، أو البيسبول، أو كرة السلة.
ووجد استطلاع للرأى أجرته مؤسسة «مورنينج كونسلت» أن ثلث الأمريكيين يعدّون أنفسهم من مشجعى كرة القدم، إلا أن هذه النسبة ترتفع كثيرًا لما يقترب من الثلثين بين الأمريكيين من ذوى الأصول اللاتينية.
ويرتبط عدم ارتفاع نسب شعبية كرة القدم بأسباب ثقافية ومجتمعية أمريكية بالأساس، بما يمكن أن نطلق عليه استثناءً أمريكيًا، فى الوقت الذى تعد فيه كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية على الإطلاق فى أغلب دول العالم، فى مختلف قاراته وأقاليمه.
وبدايةً، لا يطلق الأمريكيون على كرة القدم اسم كرة القدم (Football) كما تسمى فى سائر أنحاء العالم، بل هى «سوكر» (Soccer).
لدى الأمريكيين هوس بأن يكونوا على القمة، حيث تعتقد الأغلبية العظمى منهم أن بلدهم هو الدولة التى قاتلت طوال حياتها لتكون القوة العظمى ذات الرقم واحد فى العالم، والتى هى الآن.
وتؤمن المدرسة الفكرية الأمريكية بأن «أمريكا» الفكرة و«الحدوتة» عظيمة بطبيعتها.
يرى أغلب الأمريكيين أنهم قاتلوا فى الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية للحصول على هيمنة عالمية كاملة، والنقطة المهمة هنا أن الثقافة الأمريكية تريد دائمًا السيطرة على كل شىء، والتأكد من أنها على قمة الهرم.
مع الرياضة، لا يختلف الأمر كثيرًا، فالرياضات الثلاث الأكثر شعبية فى الولايات المتحدة هى الفوتبول والبيسبول وكرة السلة، وتعد أمريكا الأفضل عالميًا فى كل منها.
شاركت الولايات المتحدة فى 18 دورة ألعاب أولمبية، فازت فيها 15 مرة بميدالية ذهبية فى كرة السلة، أما الرياضتان الأخريان فلا يعرفهما العالم جيدًا، وربما يقتصر الاهتمام بهما على الأمريكيين.
هكذا تدفع الثقافة الأمريكية دائمًا إلى أن تكون الأفضل فى كل شىء، ولأنهم لا يستطيعون أن يكونوا الأفضل فى كرة القدم، فمن المحتمل أن يكون هذا سببًا وجيهًا لانخفاض شعبية هذه الرياضة.
شيء آخر قد يبدو هامشيًا يتضح من حجم وأوزان لاعبى الرياضات الأكثر شعبية، ولا يفهم الكثيرون عدم وجود محددات جسمانية، فوق المحددات المعتادة، تحدد وتسهم فى كفاءة اللاعب.
هناك لاعبون ممتازون من قصيرى القامة مثل الأرجنتينى Lionel Messi، وهناك طوال القامة مثل البولندى Robert Lewandowski، فى حين يتمتع لاعبو كرة السلة والفوتبول والبيسبول بأجسام تقترب من العمالقة بالنسبة للبشر العاديين.
سبب آخر لعدم شعبية كرة القدم فى الولايات المتحدة هو عمق جشع الرأسمالية الأمريكية، وتحكمها الكبير فى الرياضة بصورة مختلفة.
تريد الشركات الظفر بأكبر قدر ممكن من المال من وراء الرياضة وممارستها ومشاهدتها، وتتحكم الإعلانات والرعاية المادية فى الفعاليات الرياضية بصورة كبيرة، ويُعد مصدر الدخل الرئيس عند بث الأحداث الرياضية هو الإعلانات.
هذا يعنى أنهم يفضلون الرياضات الأكثر ملاءمة لبث الإعلانات، وليس من قبيل المصادفة أن هذه الرياضات هى البيسبول والفوتبول وكرة السلة.
وتسمح قوانين هذه الرياضات بتوقفها لفترات تتيح عرض مئات الفواصل الإعلانية أثناء بث هذه المباريات.
على النقيض، فإن كرة القدم ليس لديها إلا فترة استراحة واحدة فى المباراة فقط بين الشوطين، وهذا يجعل الرياضة غير مناسبة للإعلانات الضخمة، ما يعنى أن شبكات التليفزيون الكبيرة لن تعطيها الأولوية عند تحديد اختيارات البث.
لا يرحب كثير من الأمريكيين بفكرة مشاهدة مباراة كرة قدم كاملة لينتهى بها الأمر بالتعادل السلبى.
يجب أن يكون هناك فائز، وإن لم يكن كذلك فإن مشاهدة اللعبة لا تستحق كل هذا العناء وخسارة وقتك؛ يقولون إنه يبدو كأن كلا الفريقين خسر.
ومن أهم العناصر الثقافية المؤثرة فى شعبية كرة القدم بين الأمريكيين نظرة كثيرين إليها على أنها رياضة نسائية.
فأمريكا هى إحدى القوى الكبرى فى كرة القدم النسائية، وفازت بكأس العالم 3 مرات، ووصلت إلى المباراة النهائية كثيرًا، وقد أسهم ذلك فى جعل كرة القدم واحدة من الرياضات المفضلة لدى النساء الأمريكيات للعب فى البلاد.
ألعب الكرة مع أصدقاء أمريكيين على مدى العقدين الماضيين، لذا أؤكد، من تجربة شخصية مستمرة حتى اليوم، أن هناك تزايدًا فى الاهتمام بكرة القدم، بما يمكن معه أن تتضاعف شعبيتها والقبول الاجتماعى والثقافى بها.
ومن حسن الحظ أن الثقافة الأمريكية تتغير باستمرار وبلا توقف، ومن حسن الحظ أيضًا ضخامة أعداد المهاجرين إلى الولايات المتحدة من دول أمريكا الجنوبية العاشقة لكرة القدم ومن بقية دول العالم.
وشاهدنا جميعًا اللاعب Timothy Weah، نجل الدولى السابق George Weah، رئيس ليبيريا الأسبق، يسجل أول أهداف أمريكا فى مونديال قطر الأخير.
وأتصور أن أولاد مهاجرى اليوم سيعطون كرة القدم حقها من الاهتمام والإجادة، بخاصة مع توافر الإمكانات المادية والمساندة من ملاعب وأدوات وتدريب ولياقة، ما يسمح لنا بتوقع مشاهدة المنتخب الأمريكى فى الأدوار النهائية لكأس العالم الجارية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك