إيلاف من الرباط: تستعد المملكة المغربية لخوض غمار محطة تشريعية حاسمة في سبتمبر 2026، التي تُشكل محطة ديمقراطية لمواصلة بناء دولة المؤسسات الدستورية، ودعم خيار الديمقراطية التمثيلية التي تعد الأحزاب السياسية عمودها الفقري، تماشياً مع روح الوثيقة الدستورية وقانون الأحزاب والمنظومة القانونية المؤطرة للعمليات الانتخابية.
غير أن الاستعدادات الجارية لهذه المحطة أفرزت حركية غير مألوفة في طبيعة التواصل السياسي ومضامين الخطاب الحزبي، مما فتح الباب أمام نقاش أكاديمي واسع بين قراءات سياسية مختلفة تسعى لتفكيك خلفيات المشهد وتوقع مآلاته،وفي هذا السياق فكك أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، العباس الوردي، لـ" إيلاف"، المقاربة البراغماتية للأحزاب السياسية، بالمقابل، سلط المحلل السياسي الحسن جفالي الضوء على الفعل المؤسساتي لهذه الانتخابات.
العباس الوردي: تنامي البراغماتية ولغة" الكلفة الاجتماعية"في قراءته لسياق المشهد السياسي قبيل الانتخابات، يرى العباس الوردي، المدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن الخطاب السياسي يشكل البؤرة المركزية للتواصل مع المواطن والناخب.
ورغم اختلاف الرؤى والأيديولوجيات، يظل القاسم المشترك هو" الدولة الأمة" القائمة على فلسفة" تمغربيت" والوطن الواحد من طنجة شمالا إلى الكويرة جنوبا.
ويعتبر الوردي أن تشريعيات 2026 تعد سابقة غير معهودة، نظراً لشراسة التنافس الحزبي الذي ارتدى حلة جديدة من الخطاب، تميزت بالنزول إلى لغة الفضاء العام واستعمال مفردات عامية قريبة من المعيش اليومي للمغاربة لشجب جشع الوسطاء في المجال التجاري الذين يراكمون الثروات من خلال الأزمات الاحتماعية، وهم من يسميهم عامة المغاربة بـ" الفراقشية"، " التفرقيش"، " الشناقة".
ويتساءل الوردي عما إذا كان هذا التحول مجرد ظاهرة انتخابية عابرة، أم أنه يعكس تنامياً حقيقياً في وعي المواطن بالشأن العام، خصوصا مع توسع رقعة التواصل الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي، ومتابعة المواطنين للجلسات الدستورية للبرلمان، التي تنقلها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وفي مقدمتها الجلسات الشهرية لرئيس الحكومة.
وقال الوردي: إن" الجرأة السياسية في الحديث عن معضلتي الوسطاء وتسميتهم بالفراقشية من داخل البرلمان، تعكس خروجاً واضحاً للفاعل السياسي عن لغته ونبرته المألوفتين".
وأضاف" هذا الخطاب البراغماتي، الذي أكدته تقارير مؤسساتية وطنية وواقع الأسعار سيدفع كتلة عريضة من المواطنين إلى تفعيل بارومتر الاختيار البراغماتي، وهو ما سيشكل نقطة فاصلة في تحديد من سيتولى مقود تدبير الشأن العام".
الحسن جفالي: تحديات البنية الحزبية ومحورية الحلول الهيكليةمقابل هذا الرأي، يقدم الباحث الأكاديمي الحسن جفالي منظوراً يركز على" البنية المؤسساتية والبرامجية" للأحزاب كمعيار حقيقي للتقييم، بدلاً من التوقف عند التغيرات اللفظية للخطاب السياسي.
ويرى جفالي أن لجوء الفاعل الحزبي إلى توظيف لغة الشارع والمصطلحات العامية المرتطمة بلهيب الأسعار واليومي المعيش، قد يُفسر أحياناً كـ" تكتيك تواصل أنتاجه الأزمة الاجتماعية" يهدف إلى الاستهلاك الانتخابي السريع واستمالة العواطف، أكثر من كونه تعبيراً عن برامج تنموية متكاملة، معتبرا أن الرهان الحقيقي للمملكة لا يرتبط بمدى قدرة الأحزاب على مجاراة لغة الشارع، بل بمدى نضجها في تقديم إجابات هيكلية ومستدامة.
ونبه جفالي إلى أن" بارومتر" الاختيار لدى الناخب المغربي يجب أن ينبني على تقييم البدائل البرامجية التي تطرحها الهيئات السياسية لتنزيل الأوراش الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها ورش الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومة الدعم، وحكامة التدبير الترابي.
وقال إن" قوة الحزب السياسي في محطة 2026 تقاس بمدى قدرته المؤسساتية على صياغة برامج قابلة للتنفيذ والتمويل، والابتعاد عن الوعود والشعارات اللحظية، لأن الوعي المتنامي للمواطن بات يفرض على النخب السياسية الانتقال من مرحلة التشخيص اللفظي للمشاكل الاجتماعية إلى مرحلة الهندسة العملية للحلول البنيوية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك