«الحبُّ لا يُنَوّمُنا، بل يوقظنا« فابريس ميدال فيلسوف فرنسي»الآن فقط أحببت سماع اسمي، الآن فقط تعرّفت روحي إليّ« منال رضوان «سماء مغادرة»يعدّ المكان أحد المكونات الجوهرية في الرواية الحديثة؛ إذ لم يعُد مجرّد إطار هندسي تتحرّك داخله الشخصيات، أو خلفية صامتة تجري فوقها الأحداث، بل أصبح بنية دلالية فاعلة تسهم في إنتاج المعنى وتشكيل الرؤية الفكرية والجمالية للنص، وقد تنبّه النقد الحديث إلى هذه الأهمية، فذهب غاستون باشلار في كتابه «جماليات المكان» إلى أنّ الأمكنة تحمل ذاكرة الإنسان وأحلامه وهواجسه، وتغدو جزءًا من تكوينه النفسي والوجداني، بينما رأى لوتمان أنّ المكان داخل النص الأدبي يتحوّل إلى نظام من العلامات والدلالات الثقافية، وأكدّ باختين أنّ المكان والزمان يشكِّلان معا «الزمكان» الذي تتجسّد من خلاله التجربة الإنسانية بكلّ تحوّلاتها، ومن هذا المنطلق لا تقرأ الأمكنة الروائية بوصفها جغرافيا صامتة، بل بوصفها كيانات حيّة تتفاعل مع الشخصيات، وتعيد تشكيل رؤيتها للعالم؛ فالمكان الأليف قد يتحوّل إلى منفى حين تفقد الذات انسجامها الداخلي، والمكان الغريب قد يصبح وطنا حين يجد الإنسان فيه ما افتقده من طمأنينة ومعنى.
وتنتمي رواية «سماء مغادرة» للروائية منال رضوان والصادرة حديثا عن الآن ناشرون وموزعون، إلى هذا الأفق السردي الذي يمنح المكان وظيفة تتجاوز الوصف الخارجي إلى بناء الدلالة العميقة للنص، فالرواية لا تقدِّم الإسكندرية والقاهرة وطهران وكازان وهراة، بوصفها محطّات جغرافية متباعدة، بل تجعل منها فضاءات نفسية وروحية تتقاطع فيها أسئلة الحبّ والذاكرة والفقد والهوية والبحث عن الخلاص، والخصوصية الحقيقية لهذه الرواية لا تكمن في تعدّد أمكنتها فحسب، بل في ارتباط المكان برحلة داخلية تخوضها بطلتها «وجد»؛ رحلة تتقاطع فيها الكتابة بالعشق، والذاكرة بالتاريخ، والواقع بالرؤيا، والعقل بالحدس الصوفيّ.
وتكشف «وجد» عن جوهر هذه الأزمة الوجودية حين تعترف: «قلبي في تردّد دائم بين الماضي والحاضر، بين الحقيقة والخيال، بين العشق الذي يطلق الروح والعقل الذي يقيّدها»، وكأنّ هذه العبارة تختزل البنية الفكرية للرواية كلّها؛ فالتردّد بين الأزمنة هو تردّد بين أمكنة الذاكرة وأمكنة الواقع، والتردّد بين العشق والعقل هو جوهر الرحلة التي تخوضها البطلة لفهم ذاتها، وفهم العالم من حولها.
وهذه الرؤية تبدو جليّا في يوميات»وجد» حين تكتب: «السماء تئنّ بين محاق مبستر ومطر معلق، لكن مطرا داخليّا كان يتساقط على روحي بلا توقُّف»، فالمطر هنا ليس ظاهرة طبيعية، بل صورة للحالة الروحية التي تعيشها، وحين تعثر في بريدها على عنوان يقول «حين يغادر الحبّ سماءه الأولى» تتكثّف في هذه العبارة تجربة الرواية كلّها؛ فالحبّ ليس علاقة عاطفية عابرة، بل فضاء روحي كامل، وحين يتصدّع ذلك الفضاء تبدأ رحلة الاغتراب والبحث عن معنى جديد، وحين تتأمّل البطلة سماء المدينة متسائلةً: «السماء فوق المدينة القديمة رمادية، ترى أتفكِّر بالرحيل هي الأخرى؟ » يصبح المكان نفسه شريكا في القلق الوجودي، ويغدو الرحيل قدرا يطال البشر والأمكنة معا.
في الجغرافيا الداخلية تحتلّ القاهرة موقعا محوريّا، فهي المدينة التي جاءتها «وجد» طلبا للعلم، لكنّها ارتبطت بتجربة حبٍّ قاسية مع «كريم»، فرغم أنّ المدينة تتنفّس في «ليلها الساهر بخفّة المدن التي تعرف طريقها نحو النور»، فإنّ الصورة المضيئة سرعان ما تتشقّق تحت وطأة التجربة العاطفية المؤلمة، وقد تحوّل كريم في وعي البطلة إلى رمز للحبّ الذي يصادر الحرية ويشوّه معنى العاطفة، حتّى باتت تعترف: «أنا ممزّقة، لا يعرفني قلبي منذ أنْ أحببت كريم، ذلك الذي علّمني أنّ ألفظ كلّ ما هو صوفيٌّ، كلّ ما له علاقة بالروح، بالعشق، أصبح بالنسبة لي مرادفاً للارتباك والخوف وحتّى الخذلان»، ومن هنا لم تعد القاهرة مجرّد مدينة، بل صارت فضاءً يتجاور فيه الحلم والانكسار، والأمل والخذلان.
وفي مقابل اغتراب «وجد» العاطفي، تقدّم الرواية شخصية «يوسف» العراقي نموذجا لاغتراب من نوع آخر يولد داخل الوطن نفسه؛ يقول: «ولدت في مدينة لا تتّسع لخطوة حرّة، أبي كان يخاف الجدران، وأمّي كانت تصلّي بصمت خوفا منهم، كنت أفتح النافذة فأرى الجند يفتِّشون العيون قبل الحقائب».
وحين ينتقل إلى مصر تتغيّر علاقته بالمكان تغيّرا جذريا: «تنفّست هواءً طبيعيًا للمرّة الأولى، شعرت بأنّ السّماء ليست سقفًا فقط بل ملاذي، في وطني كنت أعيش الاغتراب الحقيقي».
وتكشف هذه المفارقة المعنى الأعمق للوطن في الرواية؛ فهو ليس حدودا جغرافية بقدر ما هو شعور بالكرامة والحرية والانتماء، وحين يتواصل يوسف مع وجد تشعر بأنّ شيئًا يتغيّر في أعماقها: «كأنّ شيئًا فيّ استيقظ على حين غفلة، يطالبني بأنْ أعيد ترتيب الذاكرة»، وهي بداية المصالحة مع الذات بعد سنوات من الانكسار.
أما الإسكندرية فتمثّل مدينة الذاكرة الأولى الحاملة لوجع الفقد، وتتحوّل في تجربة «دعاء» إلى وعاء للحنين حين تصف أثر مقتل والدتها: «فهمت دون أنْ تعرف الكلمات أنّ الموت يشبه الشتاء، يأتي بلا استئذان، ويترك خلفه في القلوب ثلجا لا يذوب».
وتكتسب كازان الروسية دلالة مغايرة تماما، فهي مكان المواساة والكشف الداخلي، وحين يتساقط جليدها الأبيض الصامت تتحوّل اللحظات إلى مساحة للتأمّل والتطهّر واستعادة التوازن بين الشخصيتين.
وتبلغ جدلية المكان ذروتها في طهران؛ المدينة التي تجمع بين الحرب والحبّ في آن واحد، فقبل السفر إليها يوصي الدكتور سعيد البطلة: «لا تكتفي بالبحث في الأوراق، بل اجعلي كلّ خطوة رحلة لمعرفة القلب، كلّ شارع ومقهى ومكتبة جزءا من الطريق الذي يسير فيه الحبّ والعقل معا»، وهي عبارة تلخّص فلسفة الرواية كلّها؛ فالمعرفة الحقيقية ليست معرفة النصوص وحدها، بل معرفة الذات أيضا، غير أنّ طهران تستقبل البطلة وسط دويّ الانفجارات والوجوه المذعورة، ووسط هذا الخراب تحديدا ينبثق الحبّ حين يُطبق يوسف على كفّها، فتصل المصالحة ذروتها في لحظة تقول فيها: «الآن فقط أحببت سماع اسمي، الآن فقط تعرّفت روحي إليّ»، إنّها لحظة اكتشاف الذات بقدر ما هي لحظة اكتشاف الآخر.
ولعلّ ما يفسّر انجذاب «وجد» إلى تجربة الجامي وزليخة، أنّها كانت تبحث عن إجابة لسؤال شخصي عميق يتعلّق بمعنى الحبّ نفسه؛ فرحلتها البحثية ليست رحلة أكاديمية وحسب، بل محاولة لإعادة بناء علاقتها بالعشق بعد التجربة القاسية، تقول الرواية: «ما يجعلها تبحث عن جامي وزليخة لتفهم كيف للحبّ أنْ يكون مختلفا، لا يسيطر، لا يجرح، لا يميت القلب ولا يريق الروح من دون فائدة».
وهنا تتحوّل هراة إلى فضاء للمعرفة الروحية، ويتجاوز الحبّ معناه العاطفي ليصبح طريقا إلى اكتشاف الذات.
ولا يبدو اختيار اسم «وجد» للبطلة اعتباطيا؛ فهو يتقاطع مع «الوجد» الصوفيّ القائم على الكشف والانخطاف والبصيرة، كأنّ الرواية ترسم منذ بدايتها رحلة انتقال من الخذلان إلى المعرفة، ومن الغربة إلى المصالحة مع النفس.
لقد نجحت منال رضوان في «سماء مغادرة» في بناء جدلية معّقدة بين المكان والحبّ والاغتراب، حيث لا يبدو أيٌّ من هذه العناصر مستقلًّا عن الآخر؛ فالمكان يولّد الحبّ ويعيد تشكيله، والحبّ يلوّن صورة المكان في الذاكرة، والاغتراب ينتج عنهما معا ويقود إليهما في الوقت ذاته.
ولهذا لا تغادر شخصيات الرواية المدنَ وحدها، بل تغادر صورها القديمة عن أنفسها أيضا، ومن خلال هذا التشابك الخلاّق بين الجغرافيا والوجدان والتاريخ والتصوّف، تكتب منال رضوان رواية تتجاوز الحكاية العاطفية إلى مساءلة الوجود الإنساني نفسه؛ حيث المكان مرآة للروح، والحبّ رحلة معرفة، والاغتراب طريق يقود في نهاية المطاف إلى اكتشاف الذات، فالوطن الحقيقي في «سماء مغادرة» ليس مكانًا يُعثر عليه على الخرائط، بل معنى يُبنى داخل الإنسان، وحبٌّ يحرّره من خوفه ووحدته ويعيده إلى نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك