ختمَ أخيراً المخرج التونسي الفرنسي عبد اللطيف كشيش، ثلاثيته «مكتوب: حبي» بعنوان فرعي للأول هو «كانتو أونو: الأغنية الأولى» 2018، وللثاني بعنوان «انترمتزو: فاصل» 2019، أما الأخير فكان بعنوان هو «كانتو دوي: الأغنية الثانية»، ليمنح كشيش بنية المقطوعة الموسيقية إلى ثلاثيته، جعلها وهي بقصة واحدة، ذات انسجام سردي واحد، فيلماً واحداً، أو، من الدارج والمؤسف القول هذه الأيام إنها، الأفلام، أصلح لتكون مسلسلاً قصيراً أو محدوداً، خاصة أن مدة ثلاثتها معاً يقارب 9 ساعات.
عادة ما يكون أول أي سلسلة أفلام أفضلَها، هنا اختلف الأمر قليلاً، فمع فيلم أول كان فضائحياً بمشاهد جنسية طبعت الفيلم بأكمله وهمّشت باقي مشاهده وشوشت عليها، خرج الثاني باهتاً من دون أثر يُذكر، سوى تخفيف من الفضائحية، أو انتقال من البورنوغرافيا إلى الإيروتيكا، أو من الفجاجة إلى الجمالية، بمشاهد شاطئية أكثر منها سريرية.
في الثالث ابتعد كشيش عن هذه وتلك، باستثناء مشهد على الشاطئ لم يستطع كما يبدو مقاومة تصوير بعض اللقطات التلصّصية، من دون أن يصل إلى تبذير في العري طبع أول فيلمين من الثلاثية.
فخرج الفيلم أخيراً مانحاً مساحة أكبر لما كان أفضل ما في الأفلام الثلاثة، من دون تشويش، وهو الحوارات العفوية والمطولة.
في الفيلم أمين، شاب يعود إلى مدينة سيت الساحلية جنوبي فرنسا ويلتقي بأصدقائه، بعد دراسته السينما في باريس.
يعمل مع العائلة في توصيل طلبيات مطعمهم التونسي.
موسيقى ورقص وأجواء جذابة وحميمية للحياة المغاربية في المهجر الفرنسي.
أمين وابن عمه يوصلان الكسكس إلى بيت تقيم فيه ممثلة أمريكية معروفة وزوجها وهو منتج هوليوودي، سيجري حديث عن إنتاجه فيلماً من كتابة أمين، تتقدم التشابكات والعلاقات والحوارات إلى أن يجد أمين نفسه في ورطة تشمل خيانة جنسية وطلقة مسدس وقسم الطوارئ ورجال شرطة.
الفيلم Mektoub, My Love: Canto Due الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان لوكارنو السينمائي الأخير، اعتمد كلياً على الحوارات التلقائية، وفي مَشاهد مطوَّلة، مشاهد قليلة وطويلة في هذا الفيلم الممتد لساعتين ونصف، لكن الحوارات، وأداء الممثلين الذي تحسّن، أو استسلم لتلقائية القول، في الفيلم الثالث، جعل الفيلم أقرب لعمل مسرحي حيث الأولوية للكلام، كلام تصاعد ببطء متعلّقاً بعضه ببعضه الآخر، إلى أن ينقطع الكلام بسكون أودى إلى مشهد هو واحد من أجمل مشاهد ممارسة الحب في السنوات الأخيرة على الأقل، بتصوير ناعم خجول، على أغنية «جفنه علّم الغزل» لمحمد عبد الوهاب، تمهيداً إلى صوت طلقات المسدس وانقلاب وتيرة الفيلم، ثم قفلة أقرب للموسيقية تنهي الفيلم، فجأة.
الثلاثية أغنية مهداة إلى عرب المهجر، إلى الثقافة المغاربية بألوانها وحيويتها وموسيقاها وطعامها، بشبابها ونسائها، في بلاد لا هي مهجر تماماً ولا هي موطن تماماً لهم، بأحلام الشباب، بضحكاتهم، بحواراتهم المنفلتة من قيود اجتماعية.
الفيلم بذلك يستحق أن يكون إعادة صياغة لسينما الفرنسي إيريك رومير، المبنية كذلك أساساً على الحوارات، والمعنية بالمدن الساحلية الصغيرة أكثر من غيرها، بحوارات متشتتة يودي واحدها إلى الآخر، من دون طلعات ونزلات بالضرورة.
الريف الفرنسي في «مكتوب» كان موسوماً بجماليات مغاربية.
سينما إريك رومير بيضاء وبورجوازية وهادئة، فرنسية تماماً وبعيدة عن المجتمع المهاجر في فرنسا، ميول رومير اليمينية وكاثوليكيته، وزمن تصويرها، من سبعينيات القرن حتى تسعينياته، ساعدت على ذلك وجعلته طبيعياً نوعاً ما، أو على الأقل غير مستهجن، خاصة أنها أتت بأفلام رائعة، واحدة من بين الأجمل قبل قرابة نصف قرن من اليوم.
كشيش استعاد تلك الأجواء، ولوّنها، عرقياً وديكورياً ومذاقياً، قدّم العلاقات بجرأة أكبر، الجنس تفصيل دائم الحضور والعادية، كان فحشيّاً في أول الثلاثية وحلميّاً في آخرها.
اختلاط المشاعر والرغبات بين الشخصيات ميز هذه الأفلام.
نقل كشيش رومير إلى فرنسا اليوم، إلى تنوعها الثقافي، إلى حيوية شبابها المغاربي، وهذا بالتمام، ما أضاف جمالاً خاصاً على الثلاثية، تحديداً آخر أفلامها الذي بُني على أقوى العناصر في أول جزأين، عفوية الحوارات اليومية، ملوّناً إياها كالزخارف المغاربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك