العربي الجديد - كأس العالم 2026.. العرب أمام فرصة لتقديم أفضل جيل عربي في التاريخ روسيا اليوم - ترامب يفيد بتفاقم موضوع الأسمدة في الولايات المتحدة ويحدد الأسباب الجزيرة نت - كان عكازه وعينه.. كفيف سوداني يبكي فقدان ابنه في الحرب فرانس 24 - مونديال 2026: بوليسيك "مستعد للقتال" أمام الباراغواي العربي الجديد - المكسيك تهزم جنوب أفريقيا في موقعة البطاقات الحمراء روسيا اليوم - تعيين نائب وزير الداخلية البريطاني دان جارفيس بمنصب وزير الدفاع الجزيرة نت - الأزمة الليبية ومخرجات الحوار المهيكل.. سيناريوهات المسار السياسي القادم روسيا اليوم - الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة النفط والغاز الكوبية Independent عربية - من الأباتشي إلى احتلال خارك: هل ينتهى التصعيد الأميركي الجزيرة نت - محنة أدوبي وأخواتها.. لماذا تنهار إمبراطورية الاشتراكات الرقمية؟
عامة

الزراعة والشباب: من البحث عن وظيفة إلى الاستثمار في المستقبل

الغد
الغد منذ 1 ساعة

عمان- لطالما ارتبطت الزراعة في الوعي الجمعي الأردني بصورة نمطية: عمل شاقّ، عائد متواضع، ومكانة اجتماعية أدنى من الوظيفة الحكومية أو المهنة المكتبية. اضافة اعلانهذه الصورة، وإن كانت تحمل قدرا من الوا...

عمان- لطالما ارتبطت الزراعة في الوعي الجمعي الأردني بصورة نمطية: عمل شاقّ، عائد متواضع، ومكانة اجتماعية أدنى من الوظيفة الحكومية أو المهنة المكتبية.

اضافة اعلانهذه الصورة، وإن كانت تحمل قدرا من الواقعية في عقود مضت، لم تعد تعكس ما يجري فعليا في القطاع، لا عالميا ولا محليا، غير أن استمرارها في أذهان جزء واسع من الشباب يُعدّ اليوم أحد أهم معوقات تطور القطاع، لا أقلّها.

أما الواقع فالقطاع الزراعي الأردني يواجه ضغوطا بنيوية حقيقية يجدر التوقف عندها، وأهمها ندرة المياه التي تعد القيد الأصعب؛ فالأردن من أفقر دول العالم مائيا على الإطلاق، إذ تبلغ حصة الفرد نحو 60 مترا مكعبا سنويا مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 500 متر مكعب؛ أي ما لا يتجاوز نحو 12 % من خط الفقر المائي الدولي.

والأخطر أن هذه الحصة مرشحة للانخفاض إلى نحو 30 مترا مكعبا ما لم يُنفَّذ مشروع الناقل الوطني للمياه، وتضاف إلى ذلك تكاليف المدخلات المرتفعة من البذور والأسمدة إلى الطاقة والعمالة، وتذبذب الأسعار، ومحدودية المساحات القابلة للزراعة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو عزوف الشباب عن العمل الزراعي التقليدي قرارا اقتصاديا مفهوما، لا مجرد تحيّز ثقافي.

بيد أن المعادلات تتغيّر، فالزراعة لم تعد نشاطا تقليديا قائما على الأرض والماء والجهد البدني وحدها، بل تحوّلت إلى قطاع اقتصادي كثيف المعرفة، تتقاطع فيه التكنولوجيا وريادة الأعمال وإدارة سلاسل القيمة، وتشير المؤشرات الوطنية إلى أن هذا التحوّل بدأ يؤتي ثماره فعلا؛ إذ ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي في الأردن إلى %61.

4 عام 2024 مقارنة بـ%57.

3 عام 2020، كما ارتفع عدد المنتجات الزراعية التي تحقق فائضا إنتاجيا إلى 28 منتجا مقابل 22 في 2020.

غير أن هذا الرقم الإجمالي يخفي تباينا حادا يجب قراءته بدقة، فالفائض يتركز في الخضراوات، حيث بلغ الاكتفاء الذاتي من الشمام 485 %، والكوسا %173، والبندورة 167 %، وهي وفرة موجَّهة للتصدير.

وفي المقابل، تبقى السلع الإستراتيجية الأكثر استهلاكا للمياه عند مستويات هشّة؛ إذ لم تتجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح 2.

9 % في 2024، بينما تظل سلع مثل الشعير والسكر والأرز والزيوت النباتية معتمدة على الاستيراد بشكل شبه كامل، ولم تتجاوز اللحوم الحمراء 36 %.

ويمكن استخلاص درس واضح من هذا الأمر، وقوامه أن المستقبل الزراعي للأردن ليس في منافسة مستحيلة على القمح كثيف المياه، بل في تعميق الميزة في المحاصيل عالية القيمة وقليلة الاستهلاك المائي.

وهنا تحديدا تبرز الفرصة أمام الشباب؛ فالزراعة المائية (الهيدروبونيك) والبيوت المحمية الحديثة تستهلك مياها أقل بكثير من الزراعة المكشوفة، وتحقق إنتاجية أعلى لكل متر مربع، وتقلّل الاعتماد على المساحات الواسعة، وهي بطبيعتها أقرب إلى عقلية الشاب المتعلم؛ فهي قابلة للقياس، وللأتمتة، وللتوسّع التدريجي برأس مال محدود نسبيا.

أضف إلى ذلك نماذج التسويق الرقمي التي تتيح للمنتِج الوصول المباشر إلى المستهلك متجاوزا حلقات الوساطة، والتصنيع الغذائي الذي ينقل المنتج من سلعة أولية منخفضة القيمة إلى منتج ذي قيمة مضافة وقدرة تصديرية أكبر.

أما العنصر الحاسم في هذه المعادلة، فهو التكنولوجيا؛ إذ إن أنظمة الاستشعار عن بعد ومراقبة الرطوبة والريّ الدقيق تتيح ترشيد استهلاك المياه بنسب معتبرة، وهو شرط بقاء لا ترف في بلد كالأردن، كما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي بدأت تُستخدم في التنبؤ بالإنتاج وكشف الآفات مبكرا، وجدولة الريّ والتسميد بدقة، فضلا عن الطاقة الشمسية لتشغيل آبار الريّ والبيوت المحمية التي تخفض تكلفة التشغيل التي طالما أثقلت كاهل المزارع.

وهذه الأدوات جملة، كفيلة بتحويل الزراعة من نشاط محكوم بتقلبات الطبيعة إلى عملية أقرب إلى الانضباط الصناعي، حيث يصبح العائد قابلا للتقدير، والمخاطرة قابلة للإدارة.

غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي ما لم يقترن بها تمويل ميسّر، وهذه الأدوات قائمة بالفعل، منها صندوق التنمية والتشغيل، والمؤسسة الأردنية لتطوير المشاريع الاقتصادية (JEDCO) التي تقدّم منحا غير مستردة ودعما فنيا للمشاريع الناشئة، إضافة إلى البنك الوطني لتمويل المشاريع الصغيرة، إلى جانب منتجات إقراض زراعي متخصصة لدى مؤسسات التمويل الأصغر.

لكن المطلوب ليس مجرّد إتاحة القروض، بل توجيهها تحديدا نحو المشاريع المبتكرة عالية القيمة، وتصميم منتجات تمويلية تراعي طبيعة الدورة الزراعية، وتتحمّل فترات السماح، وتقترن بالإرشاد الفني، والتمويل الذكي الذي يستثمر في الجدوى لا في الضمانات وحدها.

ولا ينبغي النظر إلى هذا الملف من زاوية التشغيل فقط، فاستقطاب الشباب إلى الزراعة قضية تتصل مباشرة بالأمن الغذائي الوطني، وهو بُعد إستراتيجي بامتياز، إذ إن الأردن ما يزال يستورد الجزء الأكبر من سلعه الأساسية، وأي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية ينعكس فورا على الأسعار والاستقرار.

وفي هذا الشأن يرى خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن قضية استقطاب الشباب للعمل في القطاع الزراعي يكون عبر بناء قاعدة إنتاجية محلية حديثة وكفؤة، يقودها جيل يجيد التعامل مع التكنولوجيا والأسواق، وهذا الأمر ليس خيارا تنمويا ثانويا بل ركيزة من ركائز المنعة الوطنية، وهو ما تقاربه رؤية التحديث الاقتصادي حين تتعامل مع الزراعة والأمن الغذائي بوصفهما محرّكا للنمو لا عبئا على الموازنة.

وقال الزعبي: إن التحوّل لن يحدث تلقائيا، فالفجوة بين الإمكانات والواقع ما تزال واسعة، والبيئة التمكينية من التشريعات إلى البنية التحتية الرقمية إلى منظومة الإرشاد تحتاج إلى إصلاح جادّ لا إلى شعارات، وقصص النجاح الفردية، على أهميتها، لا تصنع تحوّلا قطاعيا ما لم تتحوّل إلى سياسة منهجية قابلة للتوسّع.

وأضاف أن الاتجاه واضح، والفرصة حقيقية، فمستقبل الزراعة الأردنية يتوقف على قدرتنا على إعادة تعريف القطاع في وعي الشباب، لا بوصفه ملاذا لمن لم يجد عملا، بل ميدانا للريادة والاستثمار والابتكار، حين ينتقل الشاب من موقع الباحث عن وظيفة إلى موقع رائد الأعمال والمستثمر، وتتحول الزراعة من قطاع مستهلك إلى قطاع يولّد القيمة وفرص العمل والنمو، وتلك هي المعادلة التي ينبغي أن نراهن عليها في السنوات المقبلة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك