دخل تعيين المحامي غابرييل زالياسنيك سفيراً جديداً لتشيلي لدى دولة الاحتلال منعطفاً أكثر تعقيداً، بعد أن فتحت النيابة العامة التشيلية تحقيقاً في محادثات جمعته بالمحامي النافذ لويس هيرموسيلا، المتهم الرئيس في ما يُعرف إعلامياً بـ" قضية التسجيلات"، وهي واحدة من أكثر قضايا الفساد واستغلال النفوذ إثارة للجدل في تشيلي خلال السنوات الأخيرة.
وكلّفت النيابة العامة وحدة مكافحة الفساد الإقليمية في فالبارايسو، وهي مدينة ساحلية كبرى غربي تشيلي تضم واحدة من أهم النيابات الإقليمية في البلاد، بالتحقيق في بلاغ قدمته السيناتورة دانييلا سيكارديني والنائب دانييل مانوشتشي، وكلاهما من الحزب الاشتراكي، بشأن محادثات منسوبة إلى زالياسنيك وهيرموسيلا، يُشتبه بأنها قد تكشف عن جرائم محتملة، بينها اختلاس أموال عامة، والاحتيال على الخزينة، والتفاوض غير المتوافق، واستغلال النفوذ، واعتراض الاتصالات بصورة غير قانونية.
ويُعد لويس هيرموسيلا أحد أبرز المحامين الجنائيين في تشيلي، وارتبط اسمه خلال سنوات طويلة بقضايا سياسية وأمنية حساسة، قبل أن يتحول إلى المتهم المركزي في" قضية التسجيلات"، التي تفجرت بعد تسريب تسجيلات ومحادثات كشفت، وفق الإعلام التشيلي، شبكة علاقات بين محامين ورجال أعمال وشخصيات سياسية وقضائية.
وقد أدت مصادرة هاتفه المحمول إلى كشف آلاف الرسائل التي فتحت مسارات تحقيق متعددة.
أما غابرييل زالياسنيك، فهو محام تشيلي معروف، وعضو في مجلس نقابة المحامين، والرئيس السابق للجالية اليهودية في تشيلي، وقد عيّنته حكومة الرئيس خوسيه أنطونيو كاست مؤخراً سفيراً لدى الاحتلال، ضمن توجه أوسع لإعادة ترميم العلاقات مع" تل أبيب" بعد سنوات من التوتر في عهد الرئيس السابق غابرييل بوريك.
وجاء التحرك القضائي بعد نشر موقع" Reportea" التشيلي تحقيقاً استند إلى سجل واسع من الرسائل المتبادلة بين زالياسنيك وهيرموسيلا بين عامي 2016 و2023، قال إنها تظهر دوراً لزالياسنيك في شبكة علاقات داخل السلطة القضائية، شملت مساعي للتأثير في تعيينات قضائية، وطلب خدمات من قضاة لصالح موكلين، إضافة إلى نقاشات مرتبطة بتمويل دفاعات قانونية لشخصيات أمنية وسياسية من عهد الرئيس الأسبق سيباستيان بينييرا.
ويُعد موقع" Reportea" من المنصات الصحفية التشيلية التي نشرت خلال الفترة الأخيرة مواد استقصائية مرتبطة بتفرعات" قضية التسجيلات"، مستندة إلى محادثات ورسائل مستخرجة من هاتف هيرموسيلا، وهو ما منح القضية بعداً سياسياً وقضائياً واسعاً داخل تشيلي.
وتكتسب القضية حساسية خاصة لكون زالياسنيك عُيّن مؤخراً سفيراً لتشيلي لدى الاحتلال، في خطوة أثارت أصلاً رفضاً واسعاً داخل الأوساط الفلسطينية في تشيلي، قبل أن تضيف التسريبات الجديدة بعداً قضائياً إلى الجدل السياسي والدبلوماسي القائم حول أهليته لتمثيل بلاده في ملف بالغ الحساسية.
ووفق ما نقلته الصحافة التشيلية، فإن من أبرز ما ورد في المحادثات المنسوبة إلى زالياسنيك طلبه، خلال الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها تشيلي عام 2019، اتخاذ إجراءات متشددة ضد قيادات سياسية يسارية كان يعتقد أنها تحرض على الاحتجاجات، بما في ذلك جمع أرقام هواتفهم وبريدهم الإلكتروني، وتنفيذ عمليات مراقبة واعتراض اتصالات بحقهم، من دون سند قضائي واضح.
وتُعرف احتجاجات 2019 في تشيلي باسم" الانفجار الاجتماعي"، وهي موجة احتجاجات واسعة بدأت على خلفية قرارات اقتصادية، ثم تحولت إلى حركة شعبية كبرى ضد عدم المساواة والسياسات الحكومية، وشهدت مواجهات عنيفة واتهامات واسعة لقوات الأمن بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
كما أظهرت المحادثات، وفق التحقيق الصحفي، أن زالياسنيك اقترح على هيرموسيلا، الذي كان حينها قريباً من وزارة الداخلية، قطع خدمة الإنترنت عن السكان خلال الاحتجاجات، على غرار إجراءات اتخذتها أنظمة سلطوية في أزمات مماثلة، وهو ما اعتبرته أوساط سياسية وحقوقية مؤشراً خطيراً على طبيعة التصورات الأمنية التي تبناها السفير الجديد خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ تشيلي الحديث.
وتشير المعطيات المنشورة أيضاً إلى أن زالياسنيك شارك في الدفاع عن أندريس تشادويك، وزير الداخلية الأسبق في حكومة سيباستيان بينييرا، عندما واجه اتهاماً دستورياً في الكونغرس على خلفية طريقة إدارة الحكومة للاحتجاجات.
ويُعد تشادويك من أبرز وجوه اليمين التشيلي ومن الشخصيات القريبة من دوائر الحكم في عهد بينييرا.
وبعد ذلك، تولى زالياسنيك الدفاع عن ماريو روزاس، المدير العام السابق لقوات" الكارابينيروس"، وهي الشرطة الوطنية التشيلية ذات الطابع العسكري، والمتهم في قضايا مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال قمع احتجاجات 2019.
وتُعد قضية روزاس من الملفات الحساسة في تشيلي، لأنها تتصل بمسؤولية القيادة الأمنية عن الانتهاكات التي وقعت خلال تلك المرحلة.
وتقول التسريبات إن أتعاب الدفاع عن روزاس كانت محور مراسلات بين زالياسنيك وهيرموسيلا، وإن اسم لوريتو سيلفا، وزيرة الأشغال العامة السابقة والرئيسة السابقة لمجلس إدارة شركة النفط الوطنية التشيلية" ENAP"، ورد في المحادثات باعتبارها طرفاً في تنسيق المدفوعات.
وتُعد" ENAP" شركة نفط حكومية تشيلية، ما يجعل أي حديث عن تقاطع محتمل بين أتعاب دفاع خاص وعقود أو أدوار مرتبطة بشركة مملوكة للدولة مسألة شديدة الحساسية سياسياً وقضائياً.
وقد تولى زالياسنيك، بالتوازي مع تلك المراسلات، تمثيل الشركة في تحكيم دولي عام 2020، لكنه ينفي أن تكون أتعابه في قضية روزاس قد دُفعت من أي مؤسسة عامة، مؤكداً أن عقده مع ENAP كان مساراً مستقلاً لا علاقة له بالدفاع الجنائي الذي تولاه.
ومن بين العبارات التي أثارت اهتماماً واسعاً في تشيلي سؤال منسوب إلى زالياسنيك بشأن الجهة التي يمكن أن يطلب منها" أموالاً سرية"، في سياق الحديث عن تمويل دفاعات جنائية.
ويُقصد بـ" الأموال السرية" في السياق الحكومي مخصصات مالية حساسة تُستخدم عادة لأغراض أمنية أو سيادية، ولذلك فإن مجرد طرح استخدامها المحتمل في دفاع جنائي خاص أثار شبهات دفعت البرلمانيين مقدمي البلاغ إلى مطالبة النيابة بالتحقق مما إذا كانت هناك محاولة لاستخدام موارد عامة في أغراض خاصة أو سياسية.
النائب دانييل مانوشتشي دعا حكومة الرئيس كاست إلى التراجع عن تعيين زالياسنيك، قائلاً إن السفير الجديد" سيخضع للتحقيق في جرائم خطيرة محتملة"، وإنه لا يمكنه، إلى أن تتضح القضية، أن يمثل تشيلي في الخارج.
وأضاف أن أي حكومة تملك الحد الأدنى من المعايير المؤسسية كانت ستدرك أن استمرار هذا التعيين بات غير قابل للاستمرار.
في المقابل، رفضت الحكومة التشيلية حتى الآن التراجع عن قرارها.
وقال وزير الخارجية فرانسيسكو بيريز ماكينا إن فتح تحقيق لا يغيّر القرارات التي اتخذتها الحكومة بشأن تعيين زالياسنيك، مؤكداً احترام حكومته لعمل النيابة العامة والمحاكم، وممتنعاً في الوقت ذاته عن تحديد ما إذا كانت الحكومة ستراجع موقفها في حال تقدّم التحقيق أو اتخذ مساراً أكثر خطورة.
وأثار موقف الحكومة انتقادات إضافية، إذ اعتبرت أوساط معارضة أن الإصرار على إبقاء زالياسنيك في منصبه، رغم فتح تحقيق رسمي بحقه، يبعث برسالة سلبية حول معايير النزاهة في التعيينات الدبلوماسية، خصوصاً في سفارة ترتبط بدولة تخضع لانتقادات وملاحقات دولية بسبب حربها على قطاع غزة وانتهاكاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما أعربت رابطة الدبلوماسيين المهنيين في تشيلي عن قلقها إزاء التحقيق المفتوح بحق السفير الجديد، في مؤشر على أن الجدل لم يعد محصوراً بالجالية الفلسطينية أو المعارضة السياسية، بل امتد إلى الجسم الدبلوماسي نفسه، الذي يرى أن من يمثل تشيلي في الخارج يجب أن يتمتع بسجل واضح من النزاهة والقدرة على حماية سمعة الدولة ومصالحها.
ويأتي هذا التطور بعد أيام من رفض الجالية الفلسطينية في تشيلي تعيين زالياسنيك سفيراً لدى الاحتلال، معتبرة أن القرار يمثل انحيازاً سياسياً صريحاً ويتعارض مع المصلحة الوطنية التشيلية وتقاليد البلاد في الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وكانت الجالية قد شددت في بيان سابق على أن اعتراضها لا يستند إلى أصل زالياسنيك أو ديانته، بل إلى مواقفه وتصريحاته العلنية، التي رأت أنها تكشف انحيازاً مسبقاً لصالح الاحتلال، بما يجعله غير مؤهل لإدارة ملف دبلوماسي يمس مئات الآلاف من التشيليين من أصل فلسطيني، ممن ترتبط حياتهم وعائلاتهم وممتلكاتهم مباشرة بالأرض الفلسطينية المحتلة.
ويرى مراقبون أن فتح التحقيق القضائي يضع حكومة كاست أمام اختبار مزدوج: فمن جهة، هي تسعى إلى إعادة ترميم العلاقة مع الاحتلال بعد سنوات من التوتر خلال عهد الرئيس السابق غابرييل بوريك؛ ومن جهة أخرى، تواجه ضغطاً داخلياً متزايداً بسبب تعيين شخصية خلافية في منصب حساس، قبل أن تلاحقها شبهات فساد واستغلال نفوذ مرتبطة بإحدى أكبر القضايا السياسية والقضائية في تشيلي.
وتضم تشيلي واحدة من أكبر الجاليات الفلسطينية خارج العالم العربي، ويُقدَّر عدد التشيليين من أصل فلسطيني بأكثر من نصف مليون شخص، ما يجعل أي تحول في العلاقة مع الاحتلال ملفاً داخلياً بقدر ما هو ملف خارجي.
ولذلك، فإن أزمة زالياسنيك لم تعد مجرد اعتراض على توجه سياسي مؤيد لإسرائيل بل تحولت إلى قضية تمس معايير التمثيل الدبلوماسي، واستقلالية القرار الخارجي، ومدى احترام الدولة لمواطنيها من أصول فلسطينية في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك