عندما يخاف الطبيب: البعد الإنساني في الطب الحديثيتزامن هذا الكتاب مع لحظة ثقافية يتصدّر فيها النقاش كفاءة الطب، في الوقت الذي يهمل حقيقة ما يعتمل داخل من يمارسه! فبينما ينجح الطب الحديث في نسخته التقنية من تحويل جسد الإنسان إلى معادلة قابلة للتحليل، لا يحقق ذات القدر من النجاح في احتواء تجربة الطبيب الإنسانية.
المعضلة التي تدفع هذا الكتاب لفتح نافذة مغلقة على تلك المنطقة المظلمة، والتي تتقاطع فيها المعرفة مع القلق، وتُحاذى المسؤولية الخوف، ويرافق الإنجاز الشعور بالذنب!ينطلق الكتاب من تصوّر ضمني يعكس صورة الطبيب المثالي كوهم ثقافي أكثر منه واقعاً مهنياً! فالطبيب -كما تقدّمه التجربة المهنية- ليس كياناً محايداً مجرداً، بل كيان إنساني يعيش تحت ضغط مستمر، بين متطلبات العلم المستجد واتخاذ القرارات وسقف التوقعات الاجتماعية.
وحيث التكوين الطبي نفسه يساهم في خلق هذا التوتر كما تعتقد المؤلفة، فإن الأطباء يُدربّون تلقائياً على إخفاء مشاعرهم التي تبدو كعائق أمام القرار الحكيم، في حين أنها في الحقيقة جزء لا يتجزأ من هذا القرار.
وبينهما تكمن المفارقة، إذ كلما حاول الطبيب التصرف بالعقلانية المتوقعة حيث الحيادية والموضوعية، ازداد خطر فقدانه للبوصلة الإنسانية التي تمنح قراراته معناها!تستهل المؤلفة مقدمة كتابها (What Doctors Feel: How Emotions Affect the Practice of Medicine) فتقول: " بحلول الوقت الحاضر، يدرك حتى أكثر الأطباء تقليدية أن العواطف حاضرة في الطب على كل المستويات، لكنها غالباً ما تُدمج ضمن مفهوم عام يشمل التوتر والإرهاق، مع افتراض ضمني أن الانضباط الذاتي كفيل بضبطها.
غير أن الطبقات العاطفية في الطب أكثر تعقيداً وانتشاراً مما نتصور.
ففي الواقع، كثيراً ما تكون هي العامل المهيمن في اتخاذ القرارات الطبية، حيث تطغى بسهولة على الطب المبني على الأدلة والخوارزميات السريرية ومعايير الجودة، وحتى الخبرة الطبية، وغالباً دون وعي من أحد! قد يُقال بسهولة إن الأطباء لا يختلفون عاطفياً عن المحاسبين أو السباكين أو فنيّي إصلاح الكابلات، لكن محصلة سلوك الأطباء -سواء كانت منطقية أو عاطفية أو غير عقلانية- تحمل عواقب حياة أو موت بالنسبة للمرضى، أي بالنسبة لنا جميعاً".
بيد أن الخوف يتوغل كقوة خفية في الممارسة الطبية كما تكشف المؤلفة (د.
دانيللا أوفري)، وهي استشارية الطب الباطني في مستشفى بيلفيو، وأستاذة في كلية الطب بجامعة نيويورك، والتي تنشر مقالاتها المتخصصة في المجلات والصحف الأمريكية المعروفة.
فضمن أكثر أطروحات كتابها حدة، الخوف الذي يتوارى بين طيات المعطف الأبيض ويعمل كمحرّك خفي في البنية الطبية كاملة، حيث تأثيره الذي يمتد ليشمل التشخيص والفحص والعلاقة مع المريض، خلافاً لما قد يُعتبر استجابة عاطفية عابرة! إن هذا الخوف في رأيها يتغذى من مصدرين رئيسيين: الخوف من الخطأ الطبي الذي قد يتحول من احتمال مهني وارد إلى تهديد وجودي، والخوف من المحاسبة القانونية الذي قد يعيد تشكيل الممارسة الطبية نفسها، وقد استحدث ما يُعرف في الأدبيات الغربية بـ (الطب الدفاعي)، حيث لا يعود الهدف الأول هو مصلحة المريض، بل تقليل المخاطر القانونية على الطبيب.
ومن هنا، وبينما تتجاوز المؤلفة حدود السرد الشخصي، تقدّم نقداً موضوعياً للمنظومة الطبية ككل التي قد تكافئ الحذر المفرط أحياناً أكثر مما تكافئ الحكم الطبي الرصين.
ثم تنتقل المؤلفة لتضع العلاقة بين الطبيب والمريض في مخبر التحليل، فليست هي علاقة علاجية صماء بقدر ما هي علاقة معقدة ترتكز على عنصر الثقة كشرط أساسي -لا إضافي- لنجاح أي تدخل طبي.
غير أن هذه العلاقة تتعرض لتآكل مستمر بسبب عوامل متعددة، من ضمنها: ضغط الوقت، تدخل الأنظمة الإدارية، طغيان الطابع المؤسسي للرعاية الصحية، تنامي ثقافة الشك والمساءلة.
في هذا السياق، يفقد اللقاء الطبي طابعه الإنساني تدريجياً، ويتحول إلى تفاعل تقني قصير يركز على الأعراض الصحية على حساب التجربة الإنسانية.
من ناحية أخرى، تتناول المؤلفة بالنقد ما يمكن اعتباره أحد أكثر التحولات إثارة للجدل في المؤسسات الطبية الحديثة، والذي يعني بترجمة جودة الطبيب إلى أرقام ومؤشرات، حيث تعتقد بأن هذه المقاييس -رغم ضرورتها الإدارية- تعاني من اختزال مفرط، إذ تقيس ما يمكن قياسه بسهولة في حين تتجاهل ما يصعب قياسه مع أنه الأكثر تأثيراً.
الاختزال الذي يصدر معه الطبيب تقييما طبيا وفق معايير جزئية، على حساب الحضور الإنساني المتمثل في التواصل مع المريض وفهم حالته الصحية بشكل أعمق.
إن هذا الاختزال في حقيقته لا يؤثر على تقييم الطبيب وحسب، بل قد يدفعه إلى ممارسة نمط محاباة للنتائج القابلة للقياس على القيمة الإنسانية.
في الختام، قد لا يبدو أن هذا الكتاب يقدّم نقداً أو دفاعاً عن الأطباء، بقدر ما يحاول فهم طبيعتهم الإنسانية التي تعمل ضمن بيئة ضاغطة تفتقر أحياناً لما هو مطلوب من مظاهر إنسانية، الأمر الذي يؤكد على أن الطب في جوهره ليس علماً وحسب، بل ممارسة أخلاقية معقّدة تتطلب ما يتعدى العلم الصرف إلى الوعي بالإنسان في ضعفه وقوته!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك