لم يكن الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان يتوقع أن تتحول رحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في كأس العالم 2026 إلى واحدة من أكثر القصص إثارةً للجدل في العالم لعام 2026.
أرتان، المولود في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 6 يونيو 1992، كان يستعد لتحقيق الحلم الأكبر في مسيرته التحكيمية بعدما اختارته لجنة الحكام التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم ضمن قائمة الحكام المشاركين في كأس العالم 2026، ليصبح أول حكم صومالي في التاريخ يتم اختياره لإدارة مباريات في بطولة كأس العالم.
من ملاعب مقديشو إلى قمة التحكيم الإفريقيبدأ عمر أرتان مسيرته التحكيمية في البطولات المحلية بالصومال، قبل أن يصبح حكمًا رسميًا في دوري الدرجة الأولى الصومالي.
وفي عام 2018، انضم إلى قائمة الحكام الدوليين المعتمدين لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا".
خلال سنوات قليلة، فرض أرتان نفسه كواحد من أبرز الحكام في القارة الإفريقية، فشارك في إدارة مباريات مهمة ضمن دوري أبطال إفريقيا والتصفيات المؤهلة لكأس العالم 2026.
وفي يناير 2024، دخل التاريخ عندما أصبح أول حكم صومالي يدير مباراة في بطولة كأس الأمم الإفريقية، وذلك خلال مواجهة تونس وناميبيا ضمن منافسات المجموعة الخامسة.
كما حقق إنجازًا غير مسبوق عندما أدار نهائي دوري أبطال إفريقيا 2024-2025 بين بيراميدز وماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي في القاهرة، ليصبح أول حكم صومالي يدير نهائيًا قاريًا.
وشارك أيضًا في بطولة كأس العالم تحت 20 عامًا عام 2025، وكان الممثل الوحيد لإفريقيا ضمن حكام البطولة.
وأشادت السلطات الرياضية والإعلامية في الصومال بإنجازاته، معتبرة إياه مصدر فخر وإلهام للأجيال الجديدة، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي عاشتها البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية.
اعتبر كثيرون أن نجاح أرتان يمثل انعكاسًا لمحاولات إعادة إحياء كرة القدم الصومالية بعد سنوات طويلة من الاضطرابات الأمنية والنزاعات التي أثرت بشكل كبير على النشاط الرياضي في البلاد.
وفي أبريل 2026، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم اختيار عمر أرتان ضمن حكام كأس العالم 2026، ضمن بعثة إفريقية ضمت ثلاثة حكام ساحة وستة حكام مساعدين.
وأشاد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالإنجاز، مؤكدًا أن أرتان يجسد قيم" الجهد والمهارة والنزاهة"، معتبرًا اختياره مصدر فخر لكل الصوماليين.
لكن في السادس من يونيو 2026، سافر أرتان من إسطنبول إلى ميامي للمشاركة في الندوة الإلزامية التي ينظمها الاتحاد الدولي للحكام المشاركين في كأس العالم، ضمن معسكر الإعداد الذي أقامه رئيس لجنة الحكام في فيفا، الإيطالي بييرلويجي كولينا، بمدينة ميامي.
وكان الحكم الصومالي يحمل أكثر من تأشيرة دخول أمريكية لمدة ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى جواز سفر دبلوماسي تم تسهيله عبر السفارة الصومالية في نيروبي، لكن المفاجأة وقعت فور وصوله إلى مطار ميامي الدولي.
ورفضت سلطات الجمارك وحماية الحدود الأمريكية السماح له بدخول البلاد، وتم إخضاعه لتحقيق واستجواب استمر نحو 11 ساعة قبل اتخاذ قرار بترحيله على متن رحلة عائدة إلى إسطنبول.
وأكدت السلطات الأمريكية لاحقًا أن أرتان اعتُبر" غير مؤهل للدخول" بعد عمليات التدقيق الأمني، دون تقديم تفسير واضح للرأي العام بشأن طبيعة هذه المخاوف.
أسباب المنع.
روايات متعددةبحسب صحيفة" جويش نيوز"، فإن سبب الأزمة يعود إلى منشورات قديمة نُسبت للحكم الصومالي عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال حرب غزة عام 2014، تضمنت عبارات اعتُبرت معادية لليهود، وهو ما أدى إلى منعه من دخول الولايات المتحدة.
في المقابل، نقلت مصادر أخرى أن مسؤولًا أمريكيًا تحدث عن" ارتباطات مزعومة بأشخاص مشتبه بانتمائهم إلى منظمات إرهابية"، باعتبارها سبب القرار.
كما ربطت تقارير أخرى الواقعة بتشديد إجراءات التدقيق والهجرة التي طُبقت خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
أما عمر أرتان نفسه، فقد أكد أنه لم يتلق تفسيرًا واضحًا بشأن أسباب رفض دخوله، مشيرًا إلى أن بعض الأسئلة التي وُجهت إليه خلال التحقيق تناولت حركة الشباب الصومالية بحسب التقارير.
وقال أرتان إنه شعر بأن جنسيته الصومالية ربما لعبت دورًا في القرار، ووصف كأس العالم بأنه" أكبر حلم في حياته"، معبرًا عن حزنه الشديد لعدم تمكنه من المشاركة في البطولة.
فيفا: القرار بيد الدولة المضيفةوأكد الاتحاد الدولي لكرة القدم أن عمر أرتان لن يتمكن من العمل ضمن حكام البطولة، مشددًا على أن قرارات منح التأشيرات والسماح بالدخول تقع ضمن اختصاص الدولة المضيفة.
ورغم أن كأس العالم 2026 تقام بالشراكة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فإن جميع الحكام كانوا مطالبين بحضور التحضيرات المركزية المقامة في مدينة ميامي، ما جعل الوجود داخل الولايات المتحدة شرطًا أساسيًا لاستكمال الاستعدادات.
وخصصت لجنة الحكام التابعة لفيفا مركزًا تدريبيًا في ميامي يضم 52 حكم ساحة و88 حكمًا مساعدًا استعدادًا للمونديال.
استقبال الأبطال في مقديشووفي العاشر من يونيو 2026، عاد عمر أرتان إلى العاصمة الصومالية مقديشو، لكن ما حدث هناك كان مفاجئًا.
احتشدت أعداد كبيرة من المواطنين والمسؤولين في المطار لاستقباله إذ استقبله الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء، وتحول الحكم الذي حُرم من حلم كأس العالم إلى بطل قومي بالنسبة للصوماليين.
ورفعت الجماهير شعارات داعمة له، معتبرة أن ما حققه خلال مسيرته يكفي ليجعله أحد أبرز الشخصيات الرياضية في تاريخ البلاد الحديث.
وفي تصريحات مقتضبة لوسائل الإعلام، أعرب أرتان عن خيبة أمله تجاه الولايات المتحدة، داعيًا أبناء بلده إلى الدفاع عن سمعة الصومال، ومؤكدًا أنه لا يزال يأمل في الظهور خلال النسخة المقبلة من كأس العالم.
من صدمة المونديال إلى السوبر الأوروبيوبينما اعتقد كثيرون أن أزمة ميامي قد تشكل ضربة قوية لمسيرته، جاءت المفاجأة سريعًا.
أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تعيين عمر أرتان حكمًا لمباراة كأس السوبر الأوروبي 2026 التي تجمع باريس سان جيرمان الفرنسي وأستون فيلا الإنجليزي بمدينة سالزبورج النمساوية.
وأشاد رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، ألكسندر تشيفرين، بالحكم عمر عبد القادر أرتان عبر الموقع الرسمي للاتحاد، واصفاً إياه بالحكم الشاب والممتاز الذي يمتلك خبرة عريضة أثبتها بجدارة في البطولات الأفريقية.
وأكد تشيفرين أن كرة القدم جسر للتواصل بين الشعوب، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تأتي تقديرًا لكفاءة أرتان التحكيمية التي جعلته جديرًا بهذا الترشيح المرموق، معربًا في الوقت ذاته عن امتنانه لرئيس الاتحاد الأفريقي (كاف)، باتريس موتسيبي، على دعمه القوي لهذه المبادرة.
وأعاد هذا التعيين التأكيد على المكانة التي وصل إليها الحكم الصومالي على الساحة الدولية، ورسخ صورته باعتباره أحد أبرز قصص الإصرار والنجاح في كرة القدم الإفريقية.
ربما لو شارك عمر أرتان في كأس العالم بشكل طبيعي، لمر اسمه ضمن عشرات الحكام المشاركين دون ضجيج كبير.
لكن ما حدث حول قصته إلى قضية عالمية، وجعل العالم كله يتحدث عن الحكم القادم من مقديشو، الذي رفض أن تكون النهاية عند أبواب مطار ميامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك