تردّدت كثيراً في كتابة هذا المقال ونشره، خشية من سوء الفهم، ولكنّ قناعتي بأنّ مواجهة المشكلة أفضل من تأجيلها وتركها، لأنّ تعافي سورية وتحقيق تطلّعاتها نحو المستقبل يمرّان من خلال تسويتها، فيجب ألا يشعر مواطن في سورية بأنّه مواطن من الدرجة الثانية، ولا أنّه مُدان بالهُويّة، ولأنّها مسؤولية المجتمع أكثر ممّا هي مسؤولية الدولة، وما أقدّمه مجرّد مقترح قد لا يكون مقبولاً من معظم الأطراف، كما أنّ معالجتي له قد تكون غير دقيقة ولا تحظى بالقبول، غير أنّني آمل أن تفتح نقاشاً في مشكلة يصعب تجاهلها.
بعد عقود من الحكم الأسدي، وجد كثيرون من السوريين العلويين أنفسهم في موقع لا يُحسدون عليه في نظر قطاعات واسعة من السوريين؛ موقع الشبهة والاتهام المرتبط بالهُويّة، ذلك أنّ أجهزة القمع التي أدارتها تلك السلطة عقوداً، وارتكبت باسمها انتهاكات واسعة، ذهب ضحيتها مئات آلاف من السوريين، كانت تعتمد بشكل كامل على ضبّاط ومسؤولين ينحدرون من الطائفة العلوية، ومع مرور الزمن، لم يعد حضور السوريين العلويين في مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية مجرّد حقيقة اجتماعية أو سياسية، بل تحوّل إلى إحدى السمات المميزة للنظام نفسه، الأمر الذي جعل الفصل بين النظام والطائفة مهمّةً شديدة الصعوبة في المخيّلة الشعبية.
ترتّب على هذا وضع معقّد للطائفة بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
فبقدر ما شكّل انهيار السلطة لحظة تحرّر عامّة للسوريين من إرث طويل من القمع، أوجد لدى قطاعات واسعة من العلويين شعوراً متنامياً بالهشاشة والخوف من أن يُنظر إليهم مسؤولين جماعياً ومدانين بالجرائم التي ارتُكبت في عهد نظام الأسد، ودفع هذا الشعور إلى ظهور نزعة إلى الانكفاء والبحث عن أشكال من الحماية الاجتماعية داخل الجماعة، في استعادة لأنماط تاريخية من العزلة والانغلاق الدفاعي استمرّ قروناً، وتتعزّز هذه المخاوف مع كلّ مجزرة تُكتشف أو مقبرة جماعية تظهر، أو حدث طائفي ما، إذ يعاد تنشيط الذاكرة الجمعية للصراع، بما يرفع التوتّر في المجتمع ويزيد من احتمال انتقال الغضب المشروع من الجناة إلى الطائفة وتحميل فئات لا تتحمّل أي مسؤولية مباشرة عن تلك الجرائم.
ولهذا السبب تحديداً، أرى أنّ سورية بحاجة إلى التفكير في حلول تتجاوز المعالجات الآنية وردّات الفعل المؤقّتة، من نوع التضامن مع الضحايا الأبرياء، فهذا التضامن مهما بلغ لا يحلّ المشكلة، المشهد الراهن في وسائل التواصل الاجتماعي يكشف حجم الاحتقان الكامن وخطورة تركه من دون معالجة عميقة.
قبل أيّام كُشف مصير عائلة الطبيبة رانيا العباسي، ودور أمجد يوسف (جزّار حي التضامن) فيها، وعلى أثر هذا الخبر، الذي شكّل صدمةً عامّةً، انتشرت حملات تدعو إلى عزل السوريين العلويين ومقاطعتهم اجتماعياً واقتصادياً تحت عنوان" لست شجرة"، ووصل الأمر إلى المطالبة بسحب الأطفال منهم بذريعة" حمايتهم" من أن يرثوا تفكير أهاليهم.
وبطبيعة الحال، ترافقت هذه الدعوات مع خطاب كراهية وتحريض على الانتقام، تجسّد في شعارات من قبيل" كلّهم أمجد لكن من دون كاميرا".
ثمّ اكتُشفت مقبرةٌ جماعيةٌ جديدة في حيّ كرم الزيتون في حمص، الحيّ الذي شهد واحدةً من أبشع المجازر ذات الطابع الطائفي خلال سنوات الصراع، ليعيد إشعال المشاعر نفسها ويغذّي موجة الغضب.
لم يكن نظام الأسد نظاماً ممثّلاً للطائفة، هذه حقيقة، لكنّ نظام الأسد كان طائفياً، هذه حقيقة أيضاً، ونظرية" الطائفة المخطوفة" أو" الطائفة المجبرة" و" الطائفة المستغلّة" لا تقنع أحداً، لأنّها تعطي تفسيراً مليئاً بالثغرات والأسئلة، ولأنّها تتضمّن تبرئة مفتوحة وأقرب إلى عملية إنكار للوقائع وللتداخل الطويل زمنياً والعميق هيكلياً بين النظام والطائفة العلوية، وإلى العلاقة المركّبة بين" المصالح" و" الامتيازات" و" المخاوف" بين النظام والطائفة، لا يمكن غضّ الطرف عن حقيقة أنّ الطائفة كانت في العموم مستفيدةً، كما لا يمكن إنكار أنّها صارت، مع الوقت، خائفة من الانتقام عقوداً، منذ أن تورّط أبناؤها في مجازر إبادية ضخمة من نوع مجزرة حماة ومجازر سجن تدمر.
لهذا السبب، كان مصدر الخوف لدى الطائفة يُحدّد بـ" الإخوان المسلمين".
الواقع أنّ مصلحة نظام الأسد والطائفة معاً كانت المطابقة بين جماعة الإخوان المسلمين والمسلمين السنّة في سورية، لأنّ الأكثرية التي يؤلّفها السنّة هي مصدر التهديد الرئيس لاستمرار الحكم، ولإحكام السيطرة.
لا تعود المشكلة ببساطة إلى أنّ الرئيس المخلوع ووالده من الطائفة العلوية وقبلهم قيادة اللجنة العسكرية، وبالتالي التبرّؤ منهما لا يعني للآخرين براءة من الفظائع، وإنّما محاولة تهرّب منها، لأنّ أصل المشكلة يعود إلى حقيقة أنّ جهاز القمع، كما تظهر معظم الدراسات والبحوث العلمية والتقارير الحقوقية، مؤلّف من سوريين علويين أساساً، وهم أداروا آلة القمع الرهيبة التي فتكت بالسوريين منذ الثمانينيّات، وهؤلاء كانوا طائفيين، فعلاً وقولاً، تحفل مذكّرات السجون وأدبياتها بالشهادات والشواهد، بحيث إنّ الفظائع التي حدثت لم تكن" مجرّد وقائع قتل" ممنهج داخل سياق قمع سياسي، وإنّما" فعل إفناء رمزي"، تتداخل فيه الكراهية الطائفية" مع ثقافة أمنية أنتجت عدواً داخلياً مطلقاً، وجعلت قتله أو محوه أو إذلاله فعلاً قابلاً للتبرير".
لم يكن نظام الأسد نظاماً ممثّلاً للطائفة، هذه حقيقة، لكنّ نظام الأسد كان طائفياً، هذه حقيقة أيضاًالمسألة هنا هي في" الكيفية التي وظّفت بها المنظومة الأسدية العصبيات والانتماءات المغلقة وحوّلتها إلى طاقة قتل، فالقاتل، في مثل هذه البنية، لا يقتل فقط لأنّه تلقى أمراً، ولا لأنّه يواجه خصماً مسلّحاً، بل لأنّه يرى في الضحية تجسيداً لجماعة دينية معادية ينبغي كسرها أو إبادتها رمزياً".
من هنا كان القتل فعلاً موجّهاً" ضدّ الوجود الاجتماعي للآخر، لا ضدّ فرد محدّد فحسب"، فيُقتل المعارض، أو السنّي في المخيال الأمني الطائفي لأنّه يمثل، في وعي الجلّاد، جماعة ينبغي إخضاعها أو سحقها والثأر منها كما يقول محمّد صبرا (" قانون تجريم الأسدية وظاهرة أمجد يوسف"، " تلفزيون سوريا"، 1/6/2026)، ولا يحتاج الأمر عناءً للتدليل على ذلك، إذ يمكن ملاحظته في مئات مقاطع الفيديو التي نشرت في شكل متعمّد في أحداث الثورة من أجهزة القمع نفسها، وسنجد مثل هذا بوضوح لا يقبل التأويل في العبارات التي وجّهها أمجد يوسف إلى النساء حين رماهنّ في الحفرة وقتلهن بلا رحمة.
ليس الغرض مما ذكرته البرهان على تجريم الطائفة، لا يوجد عاقل يمكنه أن يطلق أحكاماً مثل هذه مع خطورتها، وإنّما الغرض توضيح الأسباب التي جعلت الطائفة في هذا الموقف المؤسف، والواقع أنّ من الصعب القول إنّ المسألة تخصّ مجرمين بعينهم، وتخصّ منظومة الأسد أو" الطائفة الأسدية" وليس" الطائفة العلوية"، صحيحٌ أنّ المنظومة كلّها تدار في النهاية من الأسد، ولكن المنفّذين والمديرين لآلة القتل هم في الغالبة المطلقة من الطائفة، ليس هذا وحسب، بل صار أبناء الطائفة مواطنين من الدرجة الأولى، وبات الآخرون مستباحين لهم في مواطنة من الدرجتين، الثانية والثالثة، هذه وقائع يعرفها السوريون كلّهم.
صحيح أنّه ليس كلّ أفراد الطائفة منتفعين، ولا كلّ أفراد الطائفة متورّطين، بل فيهم معارضون للنظام، هذا صار بديهياً، ولكنّ هذا لا ينفي الرابط البنيوي بين الطائفة العلوية والقمع الذي تعرّض له السوريون، والاعتراف بذلك برأيي ممرّ إجباري ومقدّمة لا غنى عنها لحلّ هذه المعضلة؛ فمن دون هذا الاعتراف ستظلّ الجدالات تدور في دائرة مفرغة من دون أن تسمّي الأسماء بمسمّياتها الحقيقية، في وقت يستنقع الواقع ويزداد تفكيكه صعوبةً، وحتى يتسنّى إخراج القضية من السجالات العصبية والشعبوية في وسائل التواصل الاجتماعي وإدخالها في التحليل العقلاني البارد بحثاً عن حلول عملية مجدية وطويلة الأمد لها تُقلّل من مخاطرها الكارثية، يجب الانطلاق من هذا الاعتراف.
بطبيعة الحال، يجب الإقرار بأن المسألة الطائفية في سورية تتطلّب" مداخل عديدة للحلّ" (عمّار ديّوب، " بتول علوش والمسألة الطائفية في سورية"، " العربي الجديد"، 16/5/2026)، وفي حين أنّ جزءاً من اللوم يتحمّله الحكم الانتقالي، بصفته مسيطراً ومديراً لمؤسّسات الدولة، إلا أنّه وحده لا يملك القدرة ولا الإمكانية لمعالجة هذه المشكلة منفرداً من دون شراكة من المجتمع بمثقفيه ومؤسّساته المدنية والأهلية، ومثلما مثّل سقوط الأسد فرصةً لظهور المكبوت المتراكم عبر عقود مظلمة من حكم الأسد، مثّل سقوط نظامه لحظة تحرير السوريين العلويين من التفكير بعقل سلطوي أو بعقل من موقع السلطة، ومنحهم الفرصة ليكونوا أناساً عاديين، وبالتالي هناك فرصة الآن لإعادة الأمور إلى الوضع الطبيعي، وإعادة إدماج الطائفة في المجتمع السوري وتحريرها من هذا الماضي، يجب استغلال الفرصة لمواجهة قضية بهذا الحجم والعمق والحساسية بوضوح وصراحة وجرأة، لا بهدف تجريم الطائفة، وإنّما بهدف معالجة المشكلة، وقد يجد كثيرون من أبناء الطائفة ومثقّفيها حرجاً وصعوبة في تناول هذا الموضوع أو حتى الموافقة على مقاربته من هذه الزاوية مقارنةً بغيرهم، خشية أن يؤدّي هذا إلى إدانة طائفة كاملة وتجريمها.
تبقى المسؤولية عن الانتهاكات والقمع فرديةً ومؤسّسيةً تتحدّد بحسب الموقع والدور والفعليمكن إجمال أطروحتي على نحو مبسط كالآتي: بالنظر إلى التداخل الطويل زمنياً والعميق هيكلياً بين النظام والطائفة العلوية، وإلى العلاقة المركّبة بينهما المبنية على المصالح والامتيازات والمكاسب والمخاوف، يمكن الحديث عن درجة من المسؤولية السياسية والأخلاقية أو التاريخية الجماعية تجاه استمرار نظام الأسد وفظائعه، والاعتراف بالآلام التي خلّفها، لكنّ المسؤولية عن الانتهاكات والقمع تبقى مسؤولية فردية ومؤسّسية تتحدّد بحسب الموقع والدور والفعل.
يمكن لأيّ فرد من الطائفة أن يقول لم أرتكب ذنباً ولم أكن جزءاً من النظام ولا أتحمل مسؤولية جرائمه، ولكنّ مقاربة الأمر على هذا النحو الفرداني لا تحلّ المشكلة، لأنّ المسألة لا تعالج سياسياً من منظور جنائي، وإنّما من باب المسؤولية الجماعية، والقبول بمثل هذه الأطروحة سيترتب عليه اعتراف يمثّل عموم الطائفة بوجود مسؤولية سياسية أو تاريخية جماعية، وبرأيي سيفتح هذا الاعتراف طريقاً حقيقياً للتسامح وإنتاج بيئة جديدة، وسيترتّب عليه مراجعة للذاكرة الجماعية، ومشاركة في عمليات الحقيقة والمصالحة والعدالة الانتقالية، سيمنح هذا الأطراف المختلفة قدرة نفسية على تجاوز الماضي، وفتح الباب أمام اندماج حقيقي في المجتمع والانتقال نحو المواطنة المتجاوزة للانتماءات ما قبل الدولتية، لا يعني أنّ هذا سيؤدّي إلى اندمال الجروح بشكل سحري، وإنّما إلى فتح المجال لها لتندمل مع الوقت.
سعت تجارب عديدة في العدالة الانتقالية الناجحة نسبياً إلى مستوى ثالث بين البراءة الجماعية والإدانة الجماعية، وهو الاعتراف بالحقيقة، ليس الاعتراف بجرائم لم يرتكبها الفرد، وإنّما الاعتراف بالوقائع التاريخية الكُبرى، هذا اعتراف ليس جنائياً، وصيغته يجب أن تكون دقيقة ومدروسة ومحلّ تفاوض بين أطراف المجتمع، وهو أمر يتطلّب من كلّ المكوّنات الاجتماعية أن ترى نفسها جزءاً من العملية، التي ينبغي أن تُفهم بوصفها مساهمةً في بناء ذاكرة وطنية مشتركة.
تحتاج سورية إلى التفكير في حلول تتجاوز المعالجات الآنية وردّات الفعل المؤقّتةلقد" تكرّس في وعي نسبة كبيرة من السوريين على أنّه (نظام الأسد) حكم أقلوي علوي مزمن، نالهم منه أذى فظيع منذ 2011 بصورة خاصّة، ويبقى في السياسة ما يتصوّره الناس وما يستقرّ في أذهانهم هو المهم وهو المحدّد، بصرف النظر عن مدى قربه أو بعده عن واقع الحال وحقيقته" (راتب شعبو).
ولأنّه كذلك لا تنفع فيه الخطابات السياسية والدعوات الأخلاقية وحدها، وإنّما يجب معالجته، لأنّنا بحاجة إلى بناء عقد اجتماعي، ومنع إعادة إنتاج العنف وتدويره، ودفع جزء من المجتمع إلى الانغلاق على نفسه، ما أقترحه يمكن النظر إليه بوصفه مقترحاً للانتقال من علاقة قائمة على الخوف والذاكرة المنقسمة إلى علاقة قائمة على المواطنة والقانون، والمسؤولية التاريخية والسياسية التي أتحدّث عنها ستُترجم إلى مشاركة في بناء المستقبل لا إلى عقوبة دائمة وإدانة مؤبدة.
التجربة الرواندية في هذا السياق مثيرة للاهتمام، فقد تبنّت الحكومة الرواندية مبدأ أنّ" المجرم فرد والمجني عليه فرد"؛ ولكنّ هذا لم يحلّ المشكلة في المجتمع الرواندي، رغم دوره الكبير في تهدئة النفوس ووقف عمليات الانتقام، ولذلك بعد 19 عاماً وُجدت ضرورة لإيجاد مسار آخر، فأطلقت الحكومة مبادرة" أنا رواندي" عام 2013، مبادرةً وطنية على مستوى جماعي، نوقشت في معسكرات التضامن والجامعات والمؤسّسات، وأحدثت هذه المبادرة جدلاً كبيراً لأنّها تضمّنت بعداً نفسياً لافتاً، وقام مسؤولون بارزون وشباب من النُّخبة (من خلفية هوتو)، ومنهم من لم يعاصر الإبادة أو لم يشارك فيها، بتقديم اعتذار جماعي معنوي بالنيابة عن آبائهم وعرقيتهم للتوتسي، تعبيراً عن تحمّل المسؤولية الأخلاقية الجماعية عما جرى باسمهم عام 1994.
في التسويات الكُبرى هناك دائماً تنازلات مؤلمة من جميع الأطراف، ومن دونها لا تحدث أبداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك