في كتابه" سيرة الخيالات والخسائر" (دار لغة، القاهرة، 2026) ينطلق الكاتب المصري أحمد عفيفي من سؤال: لماذا حدث؟ ولماذا ظلّ أثره حيّاً إلى هذا الحد؟ ليس من السهل تصنيف الكتاب ضمن الأجناس الأدبية المتفق عليها، فالعمل يعلن تمرده على القوالب الجاهزة، إذ يقدمه صاحبه بأنه" متوالية سردية غير معنية بترتيب الأحداث"، وهي عبارة تمثل مفتاحاً أساسياً لقراءة النص وفهم منطقه الداخلي.
فنحن هنا أمام كتابة هجينة، ليست رواية تقليدية ذات حبكة متماسكة، ولا سيرة ذاتية بالمعنى الكلاسيكي.
هو نص أقرب إلى الاعترافات الطويلة، يتداخل فيه الواقعي بالمتخيَّل في محاولة لفهم الذات أكثر من سرد حكايتها.
واحدة من أبرز الثيمات التي تتكشف عبر النص هي ثيمة الفقر، والذي يتم التعامل معه كجرح مؤسس للوعي.
يظهر الفقر هنا كقوة فاعلة تشكّل نظرة البطل إلى نفسه والعالم.
الانتقال بين أحياء متباينة مثل الزاوية الحمراء ومصر الجديدة، أو مدن مختلفة مثل الغردقة والكويت، يضع الشخصية في مواجهة دائمة مع شعور بالنقص والاغتراب.
في هذه الانتقالات، يصبح الجسد نفسه مساحة للتوتر، جسد مرتبك، وخائف، ومشدود إلى مقارنات لا تنتهي مع آخرين يبدون أكثر استقراراً وامتلاكاً للحياة.
يرصد العلاقة بين الطبقات في مصر خلال العقود الأخيرةفي داخل هذا العالم، يحتلّ الأب موقعاً مركزياً، يشبه المرجعية الأخلاقية والروحية.
الأب، كما يتبدّى في النص، هو معيار للخير، ونقطة ارتكاز في عالم متصدع، وبعد رحيله، يتخذ حضوره شكلاً أكثر تجريداً، يكاد يقترب من الميتافيزيقا، حيث يشعر الراوي بأن روح أبيه تواصل التدخل في مسار حياته، موجّهة إياه نحو ما يراه صواباً.
يصبح الأب غائباً حاضراً، وشخصية تتجاوز حدود الزمن، وتستمر كقوة معنوية تحكم اختيارات البطل وتعيد تشكيل إحساسه بالأمان.
إلى جانب الأب، تتكشف ثيمة أُخرى لا تقل أهمية، وهي الشعور العميق بعدم الانتماء إلى العالم.
يعبّر النص عن هذا الإحساس بجمل كثيفة الدلالة، من بينها فكرة أن الراوي" وُلد في اليوم الثامن"، وهي استعارة لافتة تختصر شعوراً كاملاً بكونه زائداً عن الحاجة، أو غير مخطط لوجوده أصلاً.
وفي سياق هذا القلق الوجودي، يبرز الصراع الديني كأحد أكثر محاور النص توتراً.
فالراوي، الذي نشأ في بيئة محافظة ذات طابع ديني صارم، يجد نفسه في مواجهة رغبات جسدية لا يمكن إنكارها، ما يضعه في حالة من التمزق بين ما تعلمه وما يشعر به.
يتجسد هذا الصراع في حوارات داخلية مع الله، وفي لحظات شك، وخوف، ورغبة في الفهم أو التبرير.
الدين هنا سؤال مفتوح، ومصدر قلق لا يقل عن كونه مصدر طمأنينة.
استعارة" اليوم الثامن" للدلالة على شيء فائض عن الحاجةأما النساء فيظهرن في النص ضمن تمثيل مركب، يتأرجح بين الرغبة والرهبة.
فالشخصيات النسائية، مثل شاهندا، وأمينة، وفاطمة، تُكتب بلغة حسية مكثفة، تجعلها أقرب إلى كائنات متخيلة، أكثر من كونها شخصيات واقعية مكتملة الأبعاد.
هذا التمثيل يعكس، في جانب منه، ارتباك الراوي نفسه، فهو منجذب بشدة، لكنه في الوقت ذاته خائف، وغير قادر على بناء علاقة مستقرة.
وهنا، تتحول العلاقات العاطفية إلى مساحات أُخرى للخسارة، حيث لا تكتمل التجارب، فهي تتلاشى أو تنكسر قبل أن تصل إلى أي شكل من أشكال الاكتمال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك