التقلّب صار كاللازمة في موقف البيت الأبيض من الحرب على إيران.
رافقه منذ البداية، وخاصة منذ وقف النار في 8 إبريل/نيسان الماضي.
تأرجح يومياً أو أسبوعياً بين التهديد بالتصعيد وبين التبشير باتفاق قريب.
في معظم الأحيان جاء للتطمين، إما لتخفيف النقمة على الحرب، وإما لإنعاش أسواق المال، أو لكبح أسعار الطاقة.
اليوم ضرب هذا التقلّب الرقم القياسي.
قبل الظهر توعّد الرئيس ترامب إيران، وبلغة شبه جازمة، بضربات" قاسية هذه الليلة"، مع التلويح باحتلال" قريب لجزيرة خارج".
لكن بعد ساعات قليلة انقلب فجأة على التهديد، واستبدله بالحديث عن اتفاق جيد يمكن" التوقيع عليه خلال نهاية هذا الأسبوع".
إيران سارعت إلى نفي التوصل إلى" قرار نهائي بعد" في هذا الخصوص.
ونُسب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قوله إنه" ليس على علم بهذا التطور".
بين الثلاثة ضاعت الحقيقة في عاصمة القرار، مما أدى إلى ارتباك المتابعات وتشوش الردود، لتبقى واشنطن في حالة ترقب مريب.
بعد التهديد الذي سبقته ضربات أميركية جوية في اليومين الأخيرين، بدا أن الحرب على إيران في طريقها إلى المربع الأول.
الفارق أن إدارة ترامب، التي كان هدفها في البداية تغيير النظام في طهران، صار طموحها الآن حمل إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات.
لتحقيق هذا الغرض، هدّد الرئيس ترامب باحتلال جزيرة" خارج" التي تشكل المرفأ الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، علّ هذا التصعيد يفرض العودة إلى الطاولة.
وهناك سابقة ربما تكون الإدارة الأميركية قد اقتبست منها هذه الوسيلة.
في ديسمبر/كانون الأول 1972 غادرت هانوي المفاوضات مع واشنطن تعبيراً عن رفضها شروط الصيغة التي كانت مطروحة في ذلك الحين لإنهاء الحرب.
ردّ الرئيس نيكسون آنذاك بتصعيد غير مسبوق استمرت حملته 11 يوماً.
في يناير/كانون الثاني 1973، أي بعد حوالي شهر، عادت فيتنام ووافقت على الصيغة.
يمكن أن الرئيس ترامب حاول اليوم نسخ تلك الواقعة، ولو أن ظروف الحربين الميدانية والتاريخية مختلفة.
وفي كل حال، تسارعت تحذيرات المتخوفين من عواقب التصعيد بهذه الصورة، كما من" التعويل فقط على الخيار العسكري" للخروج من المأزق (الجنرال المتقاعد مارك هرتلينغ).
لكن قبل غروب شمس النهار صرف الرئيس النظر عن التصعيد، لأنه جرى إبلاغه للتو" بموافقة المرشد" على المشروع.
سرعة الانقلاب، إضافة إلى السوابق، جعلت كفة الشكوك ترجح على كفة اليقين.
خاصة التشكيك في جدية إيران، التي يتردد أن عملية صياغة القرار فيها" غير موحدة".
وربما تعمّد الرئيس ترامب الاستعجال في الإعلان عن الاتفاق ليضع طهران في الزاوية ويقطع عليها طريق التراجع.
كما لا يُستبعد أيضاً أن يكون التطور المزعوم ليس أكثر من مناورة كسابقاتها.
والنقطة التي تتقاطع عندها معظم التقديرات، أن الرئيس ترامب" بحاجة ماسة" إلى إبرام اتفاق (السناتور بيتر والش والنائب آدم سميث).
فهو" محبط" من مأزق الحرب، كما من متاعب وتحديات الداخل المتزايدة، فضلاً عن اهتزاز قبضته على الجمهوريين في الكونغرس.
ومن هنا جاء ارتياح البيت الأبيض لإعلانه عن التوقيع الموعود في نهاية الأسبوع.
ولو أن التوقيع، لو حصل، سيجري على" مذكرة تفاهم" لا تشكل سوى المدخل لمفاوضات حول البنود الأساسية في الصفقة، والتي يتوقع المراقبون ألا تكون طويلة فقط، بل" شديدة الصعوبة" على الطريقة الإيرانية (ويندي شيرمن التي فاوضت في اتفاق 2015 النووي الإيراني)، وبما قد يدخلها في دوامة مفرغة.
وبالرغم من محدودية هذا الاتفاق الأولي، يتطلع دعاة وقف الحرب إلى الأيام القليلة القادمة، علّ الموعود يتحقق، ولو أنه من نوع" ما كان بالإمكان أفضل مما كان".
فالخسارة وقعت، والمطلوب تقليلها.
وبانتظار الموعد، يبقى السؤال عما إذا كان الوعد حقيقة أم إشاعة، قراراً أم جس نبض؟ المعطيات والمناورات التي شهدتها فترة وقف النار تبرر الارتياب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك