تعهّدت الحكومة المصرية بإجراء تعديلات جوهرية وعاجلة على قانون الكهرباء الصادر عام 2015 ولائحته التنفيذية، في خطوة تمثل اعترافاً متأخراً بأن القيود التنظيمية التي حكمت سوق الكهرباء طوال السنوات العشر الماضية أصبحت أحد أهم العوائق أمام التوسّع في إنتاج الطاقة الشمسية داخل المنازل والمصانع والقطاع الخاص.
وفقاً للمقترحات الجارية دراستها في مجلس الوزراء، ستسمح التعديلات للمواطنين بتركيب وحدات طاقة شمسية على المنازل والعقارات الجديدة، وضخ فائض الكهرباء المنتجة إلى الشبكة القومية، عبر عدادات ثنائية الاتجاه، كما ستتيح للمصانع الاستعانة بممولين مستقلين لإنشاء محطات طاقة شمسية، وبيع الكهرباء المنتجة لها أو لجهات أخرى، وهو النموذج المعروف عالمياً باسم" الطرف الثالث"، الذي رفضت الحكومة اعتماده من قبل، رغم موافقة العديد من مؤسسات التمويل المحلية والدولية على المشاركة في استثماره في حالة موافقة الحكومة على إنشاء هذه المشروعات.
تأتي هذه التحركات بينما تواجه مصر ضغوطاً متزايدة لتأمين احتياجاتها من الكهرباء، في ظل تراجع إنتاج الغاز الطبيعي المتوقع استمراره لسنوات، وارتفاع تكلفة استيراد الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد التقليدية، وتصاعد المخاوف من عودة انقطاعات التيار الكهربائي عن مناطق سكانية واسعة من البلاد، خاصة في فصل الصيف، حيث ترتفع ذروة الاستهلاك بنسبة 20%، لتبلغ حدود 45 غيغاوات يومياً.
وكشفت الحكومة، خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، نهاية الأسبوع، لمتابعة توفير التمويل اللازم لمشروعات الطاقة المتجددة، عن رغبتها في الإسراع في إدخال قدرات جديدة من الطاقة النظيفة إلى الشبكة الكهربائية وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، في إشارة واضحة إلى إدراك الحكومة أن أزمة الكهرباء لم تعد مرتبطة فقط بتوفير الغاز، وإنما أيضاً ببطء نمو مصادر الطاقة البديلة من الشمس والرياح، مع تعذّر إنشاء محطات مائية إضافية على نهر النيل، وعدم وجود تمويل لمشروع تخزين المياه أعلى جبل عتاقة بالسويس لاستخدامها في أوقات الذروة لتوليد نحو 600 ميغاوات، وهو المعطّل تنفيذه منذ 20 عاماً.
وصف خبير الطاقة المتجددة وائل النشار، لـ" العربي الجديد"، توجهات الحكومة بأنها متعجلة لمواجهة أزمة حالية، بينما تكشف عن مشكلة أعمق من مجرد نقص التمويل، تتمثل في تأخّر الدولة سنوات طويلة في إزالة القيود التي حدّت من مشاركة القطاع الخاص والأفراد في إنتاج الكهرباء، مبيناً أنه على مدار 36 عاماً شهدها بصفته خبيراً ومؤسساً لشركة متخصصة في توليد الطاقة الشمسية، وجد أن الحكومة تهتم بدعم صناعة الطاقة المتجددة عند الأزمات الحادة، وعندما تنتهي الأزمة تعود الأمور إلى ما كانت عليه، سواء كان ذلك في صعوبة تدبير تمويل إقامة محطات توليد كهرباء في الربع الأخير من القرن الماضي، وخلال الفترة من 2012- 2018، حيث عانت البلاد من نقص حاد بقدرات التوليد بلغ نحو 25%، وتكررت الأزمة مع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي والنفط منذ عام 2022، وارتفاع أسعاره دولياً حالياً فوق 100 دولار للبرميل، بما أعاد الحكومة إلى حلبة الطاقة الشمسية والمتجددة مرة أخرى.
وأكد النشار أن الحكومة لم تلتزم بخطط إنشاء محطات الطاقة الشمسية كما وضعتها عام 2014، ولولا ذلك لكان لدينا الآن أكثر من 40% من حجم إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، من إجمالي قدرات توليد حالياً تصل رسمياً إلى نحو 65 غيغاوات، بينما على أرض الواقع لا توجد سوى محطات توليد طاقة شمسية بقدرة 4 غيغاوات أغلبها في جنوب البلاد، وأخرى صغيرة في المزارع والمواقع غير المرتبطة بالشبكة الوطنية الموحدة للكهرباء في حدود 2 غيغاوات.
ونوّه بأن الحكومة تسعى إلى إقامة مشروعات مركزية كبيرة تحتاج إلى استثمارات هائلة غير متوافرة حالياً، وضمانات سيادية من الدولة لا تقدر على تحمّلها وسط الأزمة المالية الخانقة، ومساحات واسعة غير متوافرة بيسر أمام المستثمرين، وعقود شراء للكهرباء طويلة الأجل تمتد لأكثر من 15 عاماً تفرض قيوداً على نفقات الموازنة العامة، بينما الطريق الأفضل والأيسر بأن تسمح للقطاع الخاص بتنفيذ وتمويل محطات صغيرة مرتبطة بالتجمعات السكنية -خاصة الجديدة- والصناعية مباشرة، توفر في الفاقد في خطوط الكهرباء، وتؤمن احتياجات فورية لتلك المناطق بأسرع وقت ممكن.
وذكر خبير الطاقة الشمسية أن شركات الكهرباء ظلت لسنوات ترفض أو تعرقل تطبيق نماذج تسمح لمستثمر مستقل بالحصول على ترخيص حكومي بتمويل محطة شمسية لمصنع أو منشأة صناعية من البنوك بضمانات المشروع، وبيع الكهرباء المنتجة لها، كما واجهت مشروعات بيع الفائض للشبكة عقبات تنظيمية وإجرائية متكررة، بما أدى إلى تباطؤ انتشار الطاقة الشمسية، رغم توافر الموارد الطبيعية، والطلب المتزايد على الكهرباء، وقامت بتعديل لائحة قانون الكهرباء عدة مرات على مدار العقد الماضي، دون تقديم حلول جوهرية للمستثمرين، الذين سيجدون حالياً صعوبة في الحصول على قروض ميسرة من البنوك والمؤسسات الدولية، وارتفاعاً في تكاليف معدات الطاقة الشمسية التي زادت مؤخراً بسبب زيادة الشحن وقيمة المعدات والتشغيل.
وأكد ضرورة تشجيع تلك الشركات على رفع المكون المحلي لمعدات الطاقة الشمسية للوصول إلى المستهدفات الحكومية التي ستتأخر حتماً إلى ما بعد 2035، بسبب قلة الإنتاج الحالي وحاجة المشروعات لمزيد من الوقت للتنفيذ.
في المقابل ترفع وزارة الكهرباء سقف طموحاتها بصورة غير مسبوقة، فبحسب تصريحات وزير الكهرباء محمود عصمت، الأربعاء الماضي، تستهدف الحكومة رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول عام 2028، بدلاً من الهدف السابق البالغ 42% بحلول 2030، كما تتحدث الوزارة عن طفرة كبيرة في قدرات الطاقة الشمسية والرياح خلال السنوات القليلة المقبلة، إلا أن هذه الأهداف تواجه تشكيكاً من خبراء الطاقة الذين يرون أن الأرقام الحالية على أرض الواقع لا تزال بعيدة عن المستهدفات الحكومية.
توضح عبلة عبد اللطيف، المديرة التنفيذية للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أن نحو 84% من الكهرباء في مصر لا تزال تعتمد على الغاز الطبيعي من إجمالي قدرات محطات توليد الكهرباء، بينما لا تتجاوز مساهمة طاقة الرياح 8% والطاقة الكهرومائية 5%.
وتشير في دراسة فنية إلى أن مساهمة الطاقة المتجددة الفعلية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاستثمارات المعلنة والخطط الحكومية، محذرة من وجود فجوة واضحة بين الطموحات الرسمية والواقع التنفيذي، حيث تزداد هذه الفجوة وضوحاً عند مقارنة الأهداف الحكومية بمواعيد دخول المشروعات الجديدة إلى الخدمة.
وسبق للحكومة أن أعلنت عن تنفيذ مشروع الرياح مع شركة" أكوا باور" السعودية بقدرة 1.
1 غيغاوات، بمنطقة جبل الزيت وخليج السويس على البحر الأحمر، ولن يبدأ التشغيل قبل عام 2027، بينما من المقرر تشغيل مشروع جنوب الغردقة، البالغة قدرته 1.
2 غيغاوات خلال عام 2029.
وتتابع وزارة الكهرباء تنفيذ مجموعة مشروعات مع شركة" سكاتك" النرويجية تشمل محطات شمسية ورياح بقدرات تتجاوز 3.
6 غيغاوات وأنظمة تخزين طاقة تصل إلى 4.
2 غيغاوات، بمشروع إنتاج الألمنيوم جنوبي صعيد مصر، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه القدرات لا يزال في مراحل التنفيذ.
في هذا السياق، رأى حافظ سلماوي، الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم الكهرباء، أن الوصول إلى الأهداف الحكومية يتطلب تسريع تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة بنحو 28% فوق المعدلات الحالية، مشيراً في لقاء سابق مع" العربي الجديد" إلى أن مشروعات الرياح تحتاج عادة إلى ما بين 48 و52 شهراً حتى تدخل الخدمة، وهو ما يجعل تحقيق القفزات المعلنة خلال فترة زمنية قصيرة أمراً بالغ الصعوبة.
لا تتوقف التحديات عند حدود إنشاء المحطات الجديدة، إذ تواجه الشبكة الكهربائية نفسها اختناقات هيكلية تحدّ من قدرتها على استيعاب القدرات الإضافية، وهي تتطلب إنشاء محطات محولات وشبكات توزيع تربط بين مصادر الإنتاج والاستهلاك.
وفق بيانات وزارة الكهرباء فإن الفاقد في شبكات الكهرباء يقترب من 20% من إجمالي الإنتاج، مقارنة بمتوسط عالمي يتراوح بين 5 و8% فقط، بما يعني ضياع جزء كبير من الطاقة المنتجة قبل وصولها إلى المستهلك النهائي.
ويرى خبراء طاقة أن هذا السبب دفع اجتماع مجلس الوزراء الأخير لمناقشة احتياجات تطوير شبكات النقل والتوزيع، وتوفير التمويل اللازم لتحديثها، بالتوازي مع تمويل مشروعات الطاقة المتجددة.
في سياق متصل، تكشف الأرقام الرسمية حجم التناقض القائم حالياً بين الاعتماد الفعلي على الغاز والطموحات المعلنة للطاقة النظيفة.
فبحسب دراسة صادرة عن مركز معلومات مجلس الوزراء، احتلت مصر المرتبة الثامنة عالمياً في إنتاج الكهرباء من الغاز الطبيعي خلال عام 2024 بإجمالي 194 تيراوات/ساعة، بينما اعتمدت على الغاز في توليد نحو 81.
3% من الكهرباء المنتجة.
كما جاءت مصر في المرتبة الثانية أفريقياً من حيث قدرات الطاقة الشمسية بإجمالي 2.
58 غيغاوات خلال 2024، وفي المرتبة الثانية من حيث قدرات طاقة الرياح بنحو 2.
19 غيغاوات، بما يؤكد ما ذكره الخبراء آنفاً حول وجود قدرات الطاقة الجديدة عند حدود 4.
75 غيغاوات، أي ما يوازي أقل من 7% من قدرات التوليد بالشبكة الموحدة التي تبلغ نحو 65 غيغاوات حالياً.
وأوضح خبراء أن التعديلات القانونية التي يجري إعدادها حالياً ربما تكون من أهم خطوات إصلاح سوق الكهرباء خلال السنوات الأخيرة، مشيرين إلى خطورة تكرار الفرص الضائعة التي كان بإمكانها إضافة آلاف من الميغاوات من القدرات الجديدة دون تحميل الموازنة العامة أعباء ضخمة، وتقليل استهلاك الغاز المستخدم في المحطات التقليدية، وخفض فاتورة الواردات البترولية التي ارتفعت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من ضغوط الصيف، وعودة أزمة انقطاع الكهرباء التي تحولت خلال الأعوام الماضية إلى أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمواطنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك