دمشق- داخل غرفة متواضعة في مجلس الصلح الواقع في مدينة دوما، يجلس شريكان سابقان يسعيان إلى فض شراكة تجارية بينهما، بينما يتناوب أعضاء المجلس على الاستماع إلى رواية كل منهما، يدونون الملاحظات، ويحاولون تقريب وجهات النظر للوصول إلى صيغة تنهي النزاع دون أن تترك خصومة جديدة.
ولا تختلف هذه الجلسة كثيرا عن عشرات الجلسات التي يعقدها المجلس في دوما أسبوعيا، حيث يجلس كل يوم مجموعة من المحكمين والوجهاء وأصحاب الاختصاص الذين يسعون لدفع المتخاصمين نحو اتفاق رضائي يحفظ الحقوق، ويجنبهم مسار التقاضي الطويل.
وتلعب مجالس الصلح في سوريا دورا متنامي الأهمية داخل المجتمع، مستندة إلى مبدأ التوافق والتراضي بين الخصوم، في نموذج يقوم على الحوار وتقريب وجهات النظر بدلا من التقاضي التقليدي.
وتعمل هذه المجالس على استقبال مختلف أنواع النزاعات والتباحث فيها سعيا للوصول إلى حلول ترضي الأطراف المتخاصمة.
واتسع دور مجالس الصلح في مختلف أنحاء سوريا طوال العام الأخير كإحدى الأدوات المجتمعية لمعالجة النزاعات وحل القضايا الخلافية، بالاستناد إلى مزيج من الأعراف المحلية والأحكام الشرعية والأطر القانونية.
في مدينة دوما في ريف دمشق، يشهد مجلس الصلح إقبالا كبيرا من الأهالي في ظل ما يوفره من إجراءات أقل تكلفة وأقصر من حيث المدة مقارنة بالمحاكمات التقليدية؛ كما يلعب دورا في تعزيز السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، ويخفف الأعباء عن مؤسسات القضاء الرسمية.
ويؤكد مدير مديرية الإعلام في وزارة العدل براء عبد الرحمن، في تصريح للجزيرة نت، أن مجالس الصلح لا ترتبط هيكليا بالوزارة، لكنهم يقدمون الدعم المعنوي لهذه المبادرات المجتمعية التي يقودها وجهاء وشخصيات محلية in مختلف المناطق، بهدف إحلال الصلح في قضايا متنوعة تشمل الأحوال الشخصية والقضايا الجزائية وغيرها.
ويضيف عبد الرحمن أن هذه المجالس تسهم في اختصار المسارات القانونية الطويلة ما دام الحل قائما على تراضي الأطراف، مشيرا إلى أنهم يدعمون كل الجهود التي تسهم في حل النزاعات بالتراضي وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
ويصف مدير مجلس الصلح في دوما نزار الصمادي، للجزيرة نت، العلاقة بين مجالس الصلح والمؤسسات القضائية بأنها علاقة تعاون وتنسيق مستمر، موضحا أن بعض القضايا تحال من النيابة العامة إلى المجالس، كما يجري التنسيق مع الأمن العام في عدد من الملفات، حيث يرسل الأمن المتخاصمين إلى مجالس الصلح قبل تنظيم الضبط الرسمي.
ويضيف أن القضاء يأخذ بمخرجات الصلح عند التوصل إلى اتفاق بين الأطراف، وفي حال الإخلال ببنود الاتفاق يستطيع المتضرر اللجوء إلى القضاء مستندا إلى الصك الصلحي الموثق.
وفي القضايا المالية والعقارية، يوضح الصمادي أن الأطراف توقع على صك تحكيم ملزم قانونيا، ولا يمكن نقضه قضائيا إلا من الناحية الشكلية، بينما يبقى معتمدا من حيث المضمون، الأمر الذي يمنح الأطراف ضمانة قانونية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
ومع توسع عدد الملفات التي ينظر فيها المجلس، وتوسع شبكاته في مختلف المناطق السورية، تتنامى أهمية هذه التجربة بوصفها إحدى الأدوات المساهمة في معالجة آثار سنوات طويلة من الانقسام والنزاعات، عبر مقاربة توازن بين الأعراف المجتمعية والأحكام الشرعية والأطر القانونية المعمول بها في البلاد، بهدف الوصول إلى حلول توافقية تحفظ الحقوق.
يوضح مدير مجلس دوما، أن مجالس الصلح تنتشر على مستوى سوريا كافة، وتشرف عليها إدارة مركزية تضم دوائر قانونية وشرعية وعلاقات عامة ومكاتب اختصاصية متعددة.
وأشار إلى وجود 507 مجالس صلح في مختلف المناطق، يعمل ضمنها أكثر من 7 آلاف متطوع في المدن والبلدات.
وبيّن الصمادي أن هذه المجالس نشأت بداية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق، قبل أن تتوسع بعد التحرير لتشمل مختلف المحافظات السورية، استجابة للحاجة المتزايدة لمعالجة المشاكل الاجتماعية والقانونية المتراكمة.
وكان النظام السابق قد ترك وراءه العديد من الإشكالات الأسرية والعقارية والمالية، يوضح الصمادي، وأن إلغاء العقود المبرمة في المناطق الخارجة عن سيطرته تسبب في نزاعات واسعة حول الملكيات العقارية، الأمر الذي دفع مجالس الصلح للتدخل في إعادة الحقوق إلى أصحابها.
وتعمل المجالس، حسب المسؤول ذاته، على معالجة قضايا الزواج والطلاق والنفقات والإرث، إضافة إلى النزاعات المالية وقضايا الدم والحوادث الناجمة عن السير والدراجات النارية، من خلال جلسات صلح تهدف إلى إنهاء الخلافات بصورة رضائية.
ويلجأ المواطنون إلى هذه المجالس لتوفير الوقت والجهد والتكاليف مقارنة بإجراءات التقاضي التقليدية.
ويضيف مدير مجلس الصلح في دوما أن الهدف الأساسي يتمثل في تعزيز التماسك المجتمعي والحفاظ على السلم الأهلي، بحيث يغادر الأطراف جلسات الصلح وقد توصلوا إلى اتفاق يرضي الجميع.
وأشار الصمادي إلى أن مجلس صلح دوما، الذي بدأ عمله في فبراير/شباط 2025، تمكن من حل أكثر من 800 قضية موثقة، فضلا عن عدد كبير من القضايا التي جرى حلها دون توثيق رسمي.
كما يلفت إلى أن المجلس بات يستقبل أطرافا من محافظات أخرى نتيجة الثقة المتزايدة في دوره، وأن بعض المواطنين يقصدونه لتوثيق العقود فقط دون وجود نزاع مسبق.
من جانبه، يبين الشرعي في مجلس الصلح الشيخ أبو أنس أن معظم القضايا المعروضة على المجلس تكون ذات طابع عائلي أو اجتماعي أو مالي، مشيرا إلى أن المجلس يتعامل معها جميعا من منطلق تحقيق الصلح بين الأطراف وليس إصدار أحكام ينتصر فيها طرف على آخر.
ويؤكد أن الهدف يتمثل في الوصول إلى اتفاق رضائي يراعي طبيعة القضية والعادات والتقاليد السائدة وخبرة المحكمين، بما يحقق الرضا للطرفين ويحافظ على العلاقات الاجتماعية.
ويشير أبو أنس إلى أن الشريعة الإسلامية تشكل المرجعية الأساسية لعمل المجلس، باعتبارها المصدر الذي يستند إليه قانون الأحوال الشخصية السوري، إلى جانب الأعراف المحلية السائدة في كل منطقة.
كما يوضح أن المجلس يستأنس أحيانا بالنصوص القانونية المعمول بها في المحاكم عند الحاجة.
وبدوره، يوضح عبد الرحمن سليك، أحد مؤسسي مجلس الصلح وعضو العلاقات العامة فيه، أن المجلس يبدأ عمله باستقبال أحد أطراف النزاع أو كليهما والاستماع إلى تفاصيل القضية، قبل دعوة الطرف الآخر وعقد جلسة وجاهية يتم خلالها الاستماع إلى جميع الأطراف والسعي إلى حل الخلاف وفق الأعراف السائدة في مدينة دوما.
ويشير سليك إلى أن مجلس صلح دوما يضم 15 عضوا من اختصاصات متنوعة، بينهم محامون ومهندسون وشرعيون، إضافة إلى المفتي الحالي والمفتي السابق وعدد من الوجهاء والأعيان، ما يوفر خبرات متعددة تساعد في معالجة مختلف أنواع النزاعات.
ويؤكد سليك أن المجلس يتعامل مع قضايا الدم والإرث والعقارات والمسائل المالية والأسرية، مشددا على أن الصك الصلحي الذي يصدره المجلس يقوم بالكامل على مبدأ الرضا بين الأطراف، ولا يتم توثيقه أو توقيعه إلا بعد موافقة جميع المعنيين عليه دون أي شكل من أشكال الإكراه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك