Governing Men and their Souls: The making of a Mahdist Society in Easten Sudan (1883 – 1891)تقديم: هذه ترجمة لمقتطفات قليلة من الفصل الثامن عشر من كتاب صدر عام 2023م بعنوان “Ordinary Sudan 1504 – 2019″، في صفحات 536 – 564.
يعمل الكاتب بقسم التاريخ بجامعة السوربون، وكانت أطروحته لدرجة الدكتوراه تدور حول العوامل الاجتماعية والاقتصادية للتعبئة المهدوية في شرق السودان بين عامي 1881 و1899م، استناداً لأرْشيف الوثائق البريطانية في الخرطوم.
وجاءت الرسالة بعنوان: Gouverner les rebelles: une histoire provinciale de la Mahdiyya au Soudan-Est (1883-1891)10.
70675/80ef04c4z6bdbz4dc9zbc46za79273fe3239كان محمد أحمد عبد الله، أحد أتباع الطريقة السمانية البارزين، قد أعلن صراحةً في يوم 29 يونيو من عام 1881م عن أنه هو “المهدي المنتظر”، وشرع من فوره في تكوين حركة دينية وسياسية جماعية أحدثت تحولاً عميقاً في المجتمع السوداني.
وفي السنوات الأربع التي أعقبت إعلانه عن مهديته، أفلح في السيطرة على معظم مناطق السودان النيلي التي كانت تحكمها الكلولونيالية المصرية (1820 – 1885م)، وأسس هيكل مركزي لدولة حكمها الخليفة عبد الله بعد وفاة محمد أحمد في 22 يونيو 1885م.
ومارس النظام المهدوي حتى سقوطه في سبتمبر 1898م في أعقاب الغزو الإنجليزي- المصري (1896 – 1899م)، نفوذاً هائلاً على النسيج الاجتماعي للمجتمعات المحلية الشديدة التنوع، والتي حاول تغييرها بشكل جذري كي تتوافق مع المُثل الإسلامية التي روج لها، ولا سيما من خلال حشد السكان للقيام بالجهاد.
ومع ذلك، بقيت الكتابات التاريخية عن الثورة المهدية (1881-1898م) تركز فقط على الأبعاد السياسية والعسكرية لتلك الحقبة، على حساب تحليل دينامياتها الاجتماعية والاقتصادية.
ويمكن رد السبب الرئيس لهذه الفجوة إلى التأثير المستمر للأدبيات الكلولونيالية البريطانية، التي وضع أسسها في البداية فرانسيس وينجيت، كبير ضباط الاستخبارات البريطانية في مصر بين عامي 1889 و1899م؛ إذ أن كتاب وينجيت الأول، الذي كان قد صدر عام 1891م بعنوان “المهدية والسودان المصري Mahdiism and the Egyptian Sudan “، وعمله محرراً للروايات الشخصية المشهورة التي نشرها كل من جوزيف اورفالدر (1892م) ورودولف سلاطين (1896)، قد أدت دوراً محورياً في تشكيل الفهم المعاصر للحركة المهدية.
وكان للمؤرخ البريطاني بيتر هولت رأي مشهور في تلك الكتب يتلخص في أنها مجرد “دعاية حرب” أو أنها “”أدبيات علاقات عامة للمخابرات العسكرية المصرية” (1)، وهدفت – من خلال بناء “أسطورة المهدية” (2) – إلى إقناع الرأي العام البريطاني والقادة السياسيين بضرورة ومشروعية التدخل العسكري في السودان (3).
سعيت في هذا الفصل لإلقاء الضوء على مدى تماسك وقوة مشروع المهدية الاجتماعي.
لقد كانت المهدية، بحسبانها أيديولوجيا، تهدف إلى إحداث تحول جذري في المجتمعات السودانية؛ وكانت تلك هي السمة الثورية الأصيلة لهذه الحركة التي هدفت لضبط السلوكيات الفردية، وإضعاف الروابط القبلية، وبناء مجتمع مُنصلَح يبقى في حالة تعبئة دائمة من أجل نصرة الإسلام.
وعلى الرغم مما شاب ذلك المشروع الاجتماعي من قصور متكرر وتنازلات براغماتية (عملية) فرضتها محدودية السلطة السياسية التي كانت تُمارس من عاصمة الدولة في أم درمان، إلا أنه لم يُتَخَلَّ قط عن ذلك المشروع الاجتماعي، وظل يمثل القوة الدافعة والمؤثرة في هيكلية الجهاز الإداري وآليات عمله عبر كل سنوات حكم المهدية.
ولقيت الدعوة للمساواة والعدل القبول والالتزام من كثير من الرجال والنساء على حد سواء.
وكان المجتمع الذي تشكل تحت رعاية الدولة التي رُتبت أعمالها بحيث تضمن تثبيت الالتزام بتلك المبادئ.
يمكن القول إن هذا البناء السياسي والاجتماعي قد يُفسَّر باعتباره شكلاً جديداً من “الحكومية” governmentality (4)، يوسّع من نطاق الممارسات الانضباطية للمؤسسات الصوفية ليمتد إلى مستوى دولة.
لقد كان للقواعد التنظيمية التي أصدرها المهدي طابعٍ فاعلٍ ومؤثرٍ في المناطق الطرفية التابعة لـ “مديريات/ أقاليم” دولة المهدية.
فعلى العكس من التصوير الكلولونيالي الذي كان يعتبرها سلطة تعسفية تقوم على العنف، تُظهر وثائق الإدارة الإقليمية في شرق السودان كيف كانت تلك المبادئ تُفعَّل وتُجدَّد بصورة مستمرة.
لقد كانت التدابير – التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد أدواتٍ عملية أو استجابةً لاعتبارات استراتيجية فرضتها العمليات العسكرية العديدة التي شنها المهدويون على ساحل البحر الأحمر وفي المناطق الحدودية مع الحبشة – تندرج ضمن إطارٍ أيديولوجيٍ لم يندثر فجأةً عقب وفاة محمد أحمد عام 1885م.
وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار مجتمعات المقاتلين نماذج للمجتمع المهدوي؛ إذ أنها كانت مكرسة تماماً للجهاد، وتتولى إدارةٌ ما ضمان تلبية احتياجاتهم، حيث سعت هذه الإدارة إلى تنظيم شؤون حياتهم بصورة شبه كاملة، وأتاحت لهم التفرغ التام (للجهاد) وعدم ممارسة أي أنشطة أخرى.
ومع ذلك، لم تكن مسؤولية الالتزام بإرشادات وأوامر المهدي تقع على عاتق القيادة المحلية وحدها.
وتكشف المراسلات المتبادلة مع الأمراء ومسؤولي “بيت المال / الخزانة” في منطقة Afafit (5) كيف تفاعل أفراد هذه الجماعة المهدوية مع تلك المُثُل التي تنادي بالمساواة بين البشر (equalitarian) من خلال تحدي الإدارة وحثها على الامتثال لها.
وقد ساهمت التفاصيل الغنية التي تُقدم عند وصف حالاتهم في كشف النقاب – ولو بصورة موجزة – عن خبايا آليات العمل الداخلية لمجتمع مهدوي إقليمي في طور التكوين.
1/ Holt, Peter M.
1958.
The Source Materials of the Sudanese Mahdia.
Middle Eastern Affairs, St.
Antony’s Papers, 4 (1)2/ Daniel, Norman, 1966.
Islam, Europe and Empire.
Edinburgh, Edinburgh University Press.
3/ Warburg, G.
2005.
The Wingate literature revisited: Middle Eastern Studies, 41 (3), 373 – 389.
4/ “الحكومية” (Governmentality)هو مفهوم صاغه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، ويصف الكيفية التي تسيطر بها الدول الحديثة على سلوك السكان وتنظمه؛ ليس من خلال القوة الغاشمة، بل عبر تشكيل عقليات الأفراد وقيمهم وعاداتهم اليومية، بحيث يصبحون قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم.
https: //en.
wikipedia.
org/wiki/Governmentality5/ بحسب ما ورد في الشبكة العنكبوتية فإن Afafit التي كتبها المؤلف هكذا هي منطقة ريفية وقرية تاريخية تقع في ولاية البحر الأحمر بشرق السودان.
وتتميز بموقعها القريب من السهول الساحلية، على مسافة غير بعيدة من مدينة “طوكر” ومدينة “سواكن” الساحلية، كما تقع في منطقة تقطنها تقليدياً مجتمعات “البجا” الرعوية.
وقد أفادني خبير بأن تلك المنطقة ربما تكون هي «المرافيت» هي منطقة ريفية تقع في أقصى جنوب شرق السودان ضمن محلية طوكر بولاية البحر الأحمر.
تعاني المنطقة بشدة من الفيضانات العارمة والسيول التي تتدفق من “وادي بركة”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك