أن الحادثة البشعة التي وقعت في مدينة بلفاست تحولت إلى قضية رأي عام عالمي، وأدانها كل صاحب نفس سوية.
غير أن الذي أستوقفني هو التناقض الذي طبع جانباً من الرأي العام السوداني في تناوله لهذه القضية، فقد انتشرت دعوات تطالب الناس بعدم الربط بين هذه الحادثة وبين مظاهر التطرف والعنف التي يشهدها السودان، أو الكتابة عنها في هذا السياق، بحجة أن ذلك يشجع على تصنيف السودانيين باعتبارهم متطرفين، ويضر بمصالح السودانيين في بريطانيا وغيرها من الدول، كما قد يؤثر سلباً على طالبي اللجوء ومن هم في انتظار التوطين.
وهي حيلة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال هرباً من مواجهة الواقع.
هل لا يزال بعض السودانيين يعتقدون أنهم قوم مسالمون، متحابون ورحماء فيما بينهم؟ ألم تشهد بريطانيا نفسها خروج مجموعات من اللاجئين السودانيين في تظاهرات تطالب باستمرار الحرب بين أبناء وطنهم؟ ألم توثق مواقع التواصل مشاهد العنف والاشتباكات التي لم تسلم منها حتى الناشطات؟ولقد نجح البعض في تصدير مظاهر الاستقطاب والفوضى إلى مجتمعات آمنة فر إليها طلباً للحماية والأمن، هرباً من حرب ارتكبت فيها جرائم الذبح، وبقر بطون الحوامل، وحرق العجزة في الكنابي، والاغتصابات ووحشية التمثيل بالجثث والعبث بجماجم الموتى.
كما بلغ التطرف حد سن قوانين للوجوه الغريبة، وملاحقة الناس بدعاوى التعاون مع الدعم السريع، وقتلهم وسحلهم في الشوارع بواسطة المليشيات المتأسلمة دون أدنى اعتبار للقانون.
والأدهى أن المطالبين باستمرار الحرب يصفقون لهذه الأفعال ويتداولونها وهم ينعمون بالأمن في بلدان اللجوء والهجرة، بعيداً عن أهوال الحرب وتبعاتها، ما لكم كيف تحكمون؟ تعاف نفوسكم بشاعة محاولة الجاني ذبح المجني عليه، ولا تروعكم الآثار النفسية للحرب والنزوح واللجوء وما ترتب عليها من عنف منزلي طالت فيه السكاكين أعناق النساء ذبحاً وقتلاً داخل السودان وخارجه، في ظل استمرارها.
من أوجه التناقض المزري تلك المحاولات المستميتة لنفي الهوية السودانية عن الجاني، متناسين أن كل من يحمل الجواز السوداني فهو سوداني بحكم القانون، كما أن من يحمل الجواز البريطاني يعد بريطانياً، والفرق فقط في كيفية اكتساب هذه الصفة واستحقاقها.
الا يعلم هؤلاء أن حكومة الإخوان المسلمين كانت تبيع الجوازات بالعملات الحرة لكل أرهابي فار من تونس ومصر وسوريا ودول الخليج وأفغانستان وباكستان وإيران؟ وبالطبع لم يكن أسامة بن لادن ولا كارلوس من نبت أرضنا.
بل تجاوز الأمر ذلك إلى منح الجوازات والتأشيرات والتسهيلات لرموز الحركات الإسلامية، بعد توفير السكن الفاخر لهم، وفتح أبواب الاستثمار، ومشاركتهم في أراضي الدولة ومواردها.
ولم تكتفِ بذلك، بل أوغلت في دمجهم اجتماعياً، وتزويجهم من السودانيات، وتكوين الأسر، بما ييسر لهم إزالة الشبهات ويفتح أمامهم أبواب الهجرة واللجوء إلى بلدان الغرب.
وفي المقابل ضُيقت فرص السفر والهجرة أمام طلاب العلم والباحثين عن حياة أفضل من أبناء السودان.
فأين كان هذا الغضب حين أُهدرت كرامة البلد الحقيقية؟ وأين كانت هذه الحساسية الوطنية عندما جرى استرخاص قيمة الجواز السوداني وتحويله إلى سلعة تباع وتمنح لهؤلاء المتطرفين ثم تنسب أفعالهم إلى السودان والسودانيين.
الحقيقة أن حيل التكسب العاطفي، ولعب دور الضحية، والادعاء بأن السودانيين مستهدفون من الغرب، وأن اليمين المتطرف والكنيسة يشعلان حرب كراهية ضد الإسلام، لم تعد دعاوى تمر دون تمحيص أو تحليل منطقي يستقيم مع الوقائع الجارية.
فمن يردد شعارات (شنق آخر قحاطي بمصران آخر دعامي)، لا يمكنه أن يدعي احترام حقوق الإنسان أو الإيمان بقيم التعايش.
فهذه عقليات لم تترب أخلاقياً على قبول الآخر، ولم تتمرس عملياً على مبادئ الحقوق الاساسية والحريات.
والأكثر إثارة للاستغراب أن كثيراً من هؤلاء قدموا إلى تلك البلدان طلباً للأمان والعدالة والتعليم والصحة، ولم تبخل عليهم تلك الدول بشيء من ذلك، بل منحتهم فرص المواطنة المتساوية، ووفرت لهم مساحة واسعة لممارسة معتقداتهم وشعائرهم ويسرت لهم بناء المساجد والمؤسسات الدينية.
لكننا شهدنا كيف تحولت بعض تلك المنابر والمدارس إلى بيئات ساهمت في نشر الأفكار المتطرفة، وتفريخ أجيال من الشباب الذين جرى التشويش على عقولهم واستغلال حماسهم، حتى صاروا وقوداً لمشاريع أيديولوجية لا تخدم أوطانهم ولا مستقبلهم، بل تدفعهم إلى مزيد من العزلة والتطرف والصدام مع المجتمعات التي احتضنتهم.
أن حادثة بلفاست البشعة لا تدان بالتنكر لها أو ادعاء السلمية، وإنما بمواجهة الحقيقة كما هي.
والحقيقة أننا، كسودانيين، لم نتبين بعد حجم الخطر الذي قادتنا إليه سياسات الحركة الإسلامية، التي دفعت البلاد إلى حرب أذكت نيران الكراهية بين مكونات المجتمع وأثارت الفتن بين أبناء الشعب الواحد، ولن ينجو من آثار هذه الكارثة أي داعم لأي طرف من أطراف الصراع، فالحرب حين تطلق عنفها لا تميز بين مؤيد ومعارض.
وسوف تنتهي الحرب لا محالة، وستبقى جراحها مفتوحة لسنوات طويلة ما لم تواجه أسبابها بشجاعة ويعترف بحقائقها دون إنكار أو مكابرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك