في كل مرة يُناقش فيها دور الإسلام في السودان، يُعاد السودان نفسه إلى أحد قطبين: إما “هامش عربي” يتلقى الفتوى من القاهرة، وإما “طرف أفريقي” يفتقر إلى العمق الحضاري.
لكن السودان، كما تكشف تجربتا المهدية والفكر الجمهوري، لم يكن يوماً مجرد مستهلك للأفكارهاتان التجربتان، رغم التناقض الظاهري بينهما، تشتركان في أمر واحد- الجرأة على إنتاج فهم سوداني خاص للإسلام من قلب الواقع المحلي، بعيداً عن وصاية الأزهر أو إسطنبول أو المراكز الدينية التقليديةفهل يمكن الحديث عن “إسلام سوداني”؟ الإجابة التي تقدمها هذه القراءة هي: ليس مذهباً عقائدياً مستقلاً، بل تقليد فكري متجدد في الاجتهاد وإعادة تأويل الدين وفق أسئلة المجتمع السوداني وتحدياتهالمهدية- أول استقلال فكري قبل السياسيعندما أعلن محمد أحمد المهدي في ثمانينيات القرن التاسع عشر ثورته على الحكم التركي المصري، لم يكن يريد فقط طرد الحاكم؛ بل أراد تحرير الدين من سلطة “علماء الرسم” الذين ارتبطوا بالدولة القائمة ووفروا لها الغطاء الشرعيما فعله المهدي لم يكن قطيعة كاملة مع التراث الإسلامي، بل إعادة تأويل للموروث الفقهي والصوفي بما يخدم مشروعاً سودانياً مستقلاً.
لقد حوّل مفاهيم مثل “الهجرة” و”الجهاد” إلى أدوات تعبئة سياسية مرتبطة بالواقع السوداني، وجعل من أم درمان مركزاً للثقل الديني بدلاً من القاهرة أو إسطنبولكانت الرسالة التي بعث بها إلى الخديوي توفيق تعكس هذا المعنى بوضوح، إذ أعلن رفضه للخضوع للسلطات الدينية القائمة، وادعاءه امتلاك شرعية مباشرة مستمدة من فهمه الخاص للدينهنا يظهر ملمح أساسي من الخصوصية السودانية- إنتاج الشرعية من الداخل، لا استيرادها من مراكز النفوذ الديني خارج البلادالفكر الجمهوري- أسلمة الحداثة من الداخلبعد نحو قرن، وتحت ظروف مختلفة تماماً، ظهر محمود محمد طه بمشروع فكري يكاد يكون نقيضاً للمهدية في الوسائل والنتائج، لكنه يلتقي معها في الجرأة على الاجتهادفي كتابه “الرسالة الثانية من الإسلام”، طرح طه فكرة مفادها أن تطور الإنسانية يقتضي الانتقال من مستوى تشريعي تاريخي (مرتبط بمجتمع المدينة في القرن السابع) إلى مستوى أعلى من الحرية والمساواة تجسده القيم التي حملتها الرسالة المكيةلم يكن طه يسعى إلى استيراد الليبرالية الغربية بشكل مباشر، بل حاول تأسيس مشروع للحرية الحديثة من داخل النص الإسلامي نفسه.
ومن هنا اكتسب مشروعه خصوصيته: لم يستعر أدواته من الغرب وحده، ولم يكتفِ بتكرار التراث الفقهي التقليدي.
لقد نظر محمود محمد طه إلى السودان باعتباره فضاء يمكن أن يشهد ولادة اجتهاد إسلامي جديد يتجاوز الاستقطاب بين المحافظة الجامدة والتغريب الكاملللوهلة الأولى يبدو الرجلان على طرفي نقيض- الأول قائد ثورة مسلحة أقام دولة دينية، والثاني مفكر سلمي أُعدم بسبب أفكارهلكن القراءة الأعمق تكشف عن عناصر مشتركة بين المشروعين –أولاً، رفض المركزية الدينية التقليدية؛ فلم ينتظر أي منهما اعتراف الأزهر أو الحجاز أو المؤسسات الدينية الكبرىثانياً، الاعتماد على البيئة الصوفية السودانية التي منحت الفرد مساحة واسعة للاجتهاد خارج البنى المؤسسية الجامدةثالثاً، الجرأة على إعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدين والسلطة والمجتمع من منظور محلي مستقلأما نهايتاهما المأساويتان فتكشفان جانباً آخر من التاريخ السوداني- صعوبة تقبل الاجتهادات الدينية الكبرى، سواء جاءت في صورة ثورة سياسية كما حدث مع المهدية، أو مشروع فكري كما حدث مع الجمهوريين.
المسار الثالث- أبو القاسم حاج حمدلا ينبغي أن ينحصر الحديث عن الاجتهاد السوداني في النموذجين “المتمردين” فقط.
فهناك تيار ثالث، أقل دراماتيكية لكنه لا يقل عمقاً، مثله المفكر أبو القاسم حاج حمد (1932-2014)في مشروعه الفكري، وخاصة كتاباته عن “العالمية الإسلامية الثانية”، حاول حاج حمد بناء جسر بين الإسلام والحداثة بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية العقيمة.
لم يكن مع فكرة “الدولة الدينية” على طريقة المهدية، ولا مع إلغاء الشريعة على طريقة العلمانيينبدلاً من ذلك، سعى إلى تقديم قراءة حضارية ترى أن أزمة المسلمين ليست فقط في التخلف السياسي، بل في العجز عن إنتاج رؤية معرفية جديدة تستوعب العصرحاج حمد لم يُعدم ولم يُسجن، لكنه ظل هامشياً في الثقافة السودانية لأنه كان يبحث في أسئلة كبرى عن النهضة والحضارة، بينما انشغل الجميع بالسلطة والقبلية.
وجوده وحده دليل على أن النزعة الاجتهادية السودانية لم تنقطع، بل استمرت بأشكال مختلفةأين نماذج الإسلام السوداني الأخرى؟ما يقدمه هذا التحليل لا يدعي الشموليةفهناك تجارب أخرى كان لها تأثير كبير في الحياة السودانية، مثل الحركة الإسلامية المرتبطة بحسن الترابي، وإسلام الطريقة الختمية، وتجربة الأنصار بعد تحولهم إلى حزب سياسي برلمانيغير أن التركيز هنا ينصب على النماذج التي حاولت إنتاج اجتهادات جديدة أو تقديم تصورات مغايرة للعلاقة بين الدين والمجتمع والدولة، لأنها الأكثر تعبيراً عن نزعة الاستقلال الفكري التي تميز التجربة السودانيةلا تقدم هذه القراءة دعوة إلى استعادة المهدية، ولا إحياء الفكر الجمهوري، ولا تبني مشروع حاج حمد كما هو.
فلكل تجربة حدودها وإخفاقاتها وأسئلتها المفتوحةلكن ما يستحق التأمل هو الروح المشتركة التي تجمع هذه المشاريع- روح الاجتهاد والاستقلال الفكري ورفض التبعية للمراكز الدينية والخارجيةبعد تفكك الدولة السودانية بفعل الحرب التي اندلعت عام 2023، وبعد تعثر معظم النماذج المستوردة من “الإسلام السياسي” (إخوان، سلفيون، تصوف مركزي)، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى و هل يستطيع السودانيون استعادة هذه القدرة على التفكير المستقل، أم سيواصلون البحث عن حلول مستوردة لأزماتهم المحلية؟ليس المطلوب اليوم مشروعاً مهدوياً جديداً، ولا جمهورياً منقحاً، ولا إعادة إنتاج أطروحات حاج حمد كما هي.
المطلوب عقل سوداني مستقل يتوقف عن استيراد حلول الأزمات، ويستعيد تقليداً سودانياً عريقاً في الاجتهاد وإعادة التفكيرربما تكون المهمة الكبرى أمام سودان ما بعد الحرب هي بناء عقد اجتماعي جديد ينطلق من خصوصية البلاد وتنوعها وتجربتها التاريخية، لا من وصفات جاهزة صُنعت في عواصم أخرى ولظروف أخرىفي النهاية اري الإسلام السوداني ليس إجابة جاهزة، بل هو سؤال مستمر.
سؤال يبدأ من الخرطوم ولا ينتهي في الأزهر أو الرياض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك