يمكن النظر إلى الرواية “48” بوصفها محاولة لإعادة كتابة التاريخ السوداني من الهامش الاجتماعي لا من مركز السلطة؛ فهي لا تنشغل بالسرد الوطني المباشر بقدر ما تنشغل بما يمكن تسميته الطبقات الخفية للتاريخ: السوق، الناس العاديون، التجار، العلاقات اليومية والتحولات الاجتماعية وهذه واحدة من أهم نقاط قوة الرواية؛ إذ إنها لا تجعل التاريخ خلفية للأحداث ولكن تجعل الحياة اليومية نفسها هي التاريخ.
البنية السردية للرواية استلهمت التاريخ عبر التفاصيل الصغيرة لم تعتمد على البطولات الكبرى أو الأحداث السياسية المباشرة بقدر اعتمادها على التفاصيل اليومية وتعدد الخلفيات الإثنية والثقافية للشخصيات ومنحها بعدا سرديا حكائيا.
في الرواية (48) تغدو الأحداث والشخصيات أساس البناء الفني، فالكاتب هنا نجح في نقل السياق التاريخي من وجهة نظرية تخييلية جمالية وأسلوب وطريقة تعزز فهمنا وتنقلنا إلى تلك الحقبة الزمنية نعيش مع الشخصيات وتطورها الأخلاقي والذهني وتفاصيل حياتها اليومية واستيعاب الأحداث في الزمان والمكان ونتصور أثرها في مجتمعها ونعيش فجوات معرفية كثيرة دائما يغفل التاريخ الرسمي الوثائقي عن تناولها.
التأريخ السوداني مهما حاول أن يكون موضوعياً يظل في كثير من الأحيان أسير الوثيقة والسلطة وزاوية النظر بينما تأتي الرواية لتلتقط ما سقط من دفاتر المؤرخين؛ خوف الناس العاديين، أحلامهم الصغيرة، الهزائم التي لم تُكتب، المسكوت عنه، التحولات الاجتماعية الصغيرة داخل البيوت والأسواق والأحياء الشعبية.
تشكلات المدن والأصوات التي ضاعت وسط ضجيج الأحداث الكبرى.
نجح الاخ الكاتب الدكتور محمد المصطفى في رواية 48 بتوفير تجربة قرائية ثقافية وأدبية غنية بروعة السرد والخطاب الجمالي الذي ينحو إلى التعريف بتلك الحقبة الزمنية والفضاء المكاني فكرياً وثقافياً في لغة راقية ولوحة متعددة الألوان واسعة النطاق من الشخصيات والاحداث والسرد والحوار وتجسيد الحقائق والابعاد التاريخية واستكشاف الماضي وتعزيز الوعي المعرفي الثقافي.
العنوان في الرواية “48” بوصفه عتبة دلالية يحمل كثافة رمزية وعلامة على لحظة انتقالية مضطربة في التاريخ السوداني المعاصر وبداية تشكل وعي وطني جديد وتحولات اقتصادية واجتماعية وصعود أسئلة الهوية والانتماء والسلطة ويمنح النص طابعاً أرشيفيا وهنا تنجح الرواية في جعل الزمن نفسه شخصية سردية رئيسة.
من أكثر العناصر الفنية حضوراً في الرواية “المكان” خاصة أمدرمان وسوق العيش يؤدي دوراً رمزياً كصورة مصغرة للسودان المستعمَر؛ تعدد إثني وثقافي وتفاوت طبقي وصراع اقتصادي وهيمنة وهنا تصبح المدينة منتجة للمعنى وليست مجرد مسرح للأحداث.
من أبرز سمات الرواية 48: تميز البناء الروائي بتعدد الاصوات السردية حيث نجح الكاتب في توظيف عدة أساليب سردية مختلفة أدوات فنية ذكية ساهمت في تشكيل البنية الجمالية للرواية وفي بناء علاقات متعددة بين الشخصيات والأحداث والمكان والزمن الروائي وربطت النص بسياقه الاجتماعي والثقافي وهذا ما جعل النص أقرب إلى الرواية (متعددة الأصوات) حيث تتجاور الرؤى السياسية والاجتماعية والثقافية داخل السرد كما عاشت داخل وجدان الناس تنقل الوقائع وتعيد تشكيلها إنسانيا.
نجد مجموعة من أنواع السرد والأساليب اللي وظفها الكاتب لبناء النص منها:السرد المباشر الذي يقدّم فيه الراوي الأحداث بصورة واضحة وتقريرية دون التوقف طويلا فعندما يصف الراوي وصول الإداري البريطاني الى ام درمان ثم دخوله إلى عالم السوق والتحالفات الاقتصادية والسياسية وتحركاته داخل سوق العيش والعلاقات بين التجار والجاليات المختلفة هنا يأتي السرد بصورة تقريرية مباشرة تشرح الحدث والزمن والمكان للقارئ “بناء الخلفية التاريخية للرواية”.
السرد بضمير المتكلم ويظهر عندما تتحدث الشخصية عن نفسها مستخدمة “أنا”؛ حين تعبّر بعض الشخصيات عن تجربتها الشخصية أو خوفها أو علاقتها بالمكان مانحاً التجربة السردية قرباً نفسياً وذاتية أكبر.
“كنت أظن أن السوق مجرد مكان للبيع، لكنني اكتشفت أنه عالم كامل من الأسرار.
”السرد بضمير الغائب ويبدو النمط الغالب في الرواية 48“كان دنكان همفري يراقب السوق بحذر بينما تتصاعد التوترات في المدينة.
” هنا الراوي يقف خارج الشخصيات ويصفها من الأعلى مانحاً الرواية اتساعاً تاريخياً ومشهدية واسعة.
لم يتوقف التميز الجمالي السردي للرواية 48 على السياق التاريخي ولكن في المقدرة الفنية على تحويل “السوق” إلى استعارة ورمزية للوطن والمدينة ام درمان والزمن إلى ذاكرة جمعية وهوية وطنية واتاح للقارئ معاينة الأحداث في المكان والزمان عبر البشر العاديين الذين عاشوا التحولات بصمت وخوف وأحلام صغيرة وليس عبر الشخصيات السياسية والأحداث والشعارات الكبرى.
يمكن ايضاً قراءة الرواية 48 في بعدها الرمزي والسياسي بوصفها تعليقاً غير مباشر على السودان المعاصر، فالعودة إلى 1948 ليست حنينا تاريخياً ولكن محاولة لفهم جذور الانقسامات والتباينات وتشكلات السلطة وهشاشة الهوية الوطنية وبداية التشوهات الاجتماعية والسياسية وكأن الرواية تقول إن كثيرا من أزمات الحاضر السوداني بدأت مبكراً في تلك اللحظة الاستعمارية الانتقالية.
الرواية 48 تمزج بين التوثيق والتخييل ويبدو النص يتحرك بين الاثنين فهو يستند إلى وقائع وتحولات حقيقية وإعادة تخيل التاريخ إنسانيا وتوظيف التخييل كاداة ووسيلة للوصول إلى حقائق أعمق واضاءة المناطق المعتمة في التجربة المجتمعية وهنا تكمن القيمة الادبية والفنية للرواية 48 التي نرى ونعيش عبرها عصراً كاملاً بكل تناقضاته وإيجابياته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك