إذا كنا صادقين مع أنفسنا كمشجعي كرة القدم، فقد كنا بحاجة إلى هذا.
كنا بحاجة إلى نهاية لحالات الاستغلال والمناورات السياسية والفوضى، ولصراعات النفوذ والتصرفات غير النزيهة ممن يديرون اللعبة.
ما كنا بحاجة إليه هو كرة القدم نفسها.
ولحسن الحظ بدأ العرض الآن، ومع وصول كرة القدم إلى الواجهة يمكن للأحاديث أن تتغير قليلاً.
أفضلية المكسيك وعوامل الأرض في كأس العالمهل تعد المكسيك من المرشحين لإحراز لقب كأس العالم؟ لا، ليس استناداً إلى هذا الأداء.
ومع ذلك، يمكن القول بثقة إنها ستتمتع بأكبر أفضلية أرض بين جميع المنتخبات المشاركة في هذه النسخة من كأس العالم، ليس فقط لأنها تحظى بسهولة بالدعم الجماهيري الأكثر حماسة بين الدول الثلاث المضيفة، بل أيضاً بسبب الارتفاع عن سطح البحر وربما درجات الحرارة، وهو ما قد يمنحها أفضلية أمام المنتخبات الزائرة لهذا البلد الجميل والفوضوي وعاشق كرة القدم.
ومع انتقال كرة القدم أخيراً إلى مركز المشهد، لا بد من كلمة عن المسرح الذي يحتضنها.
ملعب أزتيكا.
إرث تاريخي لا يضاهىما أروع هذا الملعب العريق، " استاديو أزتيكا"، الذي يجمع بين الحجم والارتفاعات الشاهقة لملعب" سانتياغو برنابيو" وبين الثقافة والطابع التقليدي لملعب" ماراكانا".
فالطريقة التي يرتفع بها المدرج العلوي نحو السماء، في ما يشبه منحنى متسارع، تصنع مرجلاً تتردد فيه أصداء الشغف ويتردد فيه عبق الماضي.
إنه إحدى الكاتدرائيات الحقيقية لكرة القدم، حيث تتسرب منه رائحة التاريخ عبر جنباته المتقادمة، وإن كانت قد خضعت للتنظيف والتجديد أخيراً.
هنا سُجل هدف كارلوس ألبرتو الأسطوري المنطلق، وهنا رفع بيليه كأس العالم في 1970، وهنا شهد العالم هدف" يد الله" و" هدف القرن"، وهنا أيضاً رفع دييغو مارادونا كأس جول ريميه الخاصة به.
يا لها من نعمة.
وفي المقابل، يا لها من جريمة بحق كرة القدم أن تقام المباراة النهائية لهذه البطولة المتضخمة في ملعب معدني بلا روح في نيوجيرسي بدلاً من أحد أعظم وأعرق الملاعب الرياضية في العالم.
إنها خلاصة دقيقة للهمجية الثقافية التي فرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا" على البطولة باسم المكاسب التجارية.
انتصار المكسيك وأداء كينيونيس الحاسمأما المباراة نفسها، فكما ذكرنا، لم تبعث المكسيك برسالة قوية اليوم، لكنها فعلت ما كان مطلوباً منها.
وقد أصبح واضحاً خلال فترات التوقف الدولية الأخيرة أن خافيير أغيري يسعى إلى فرض قدر أكبر من السيطرة على المباريات، وهو ما يفسر اختياره إريك ليرا في دور ارتكاز دفاعي حمل ملامح الليبرو التقليدي.
وربما لا يعد خوليان كينيونيس اسماً معروفاً لدى الجماهير حول العالم، لكنه أفضل لاعب في المكسيك حالياً، وقد دخل البطولة بثقة هائلة بعدما أنهى الموسم هدافاً للدوري السعودي للمحترفين.
وبالنظر إلى نوعية المواهب الموجودة هناك، فإن هذا إنجاز لا يمكن تجاهله ببساطة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وكان كينيونيس صاحب أول فرصة في اللقاء، فرصة كانت كفيلة بتهدئة أعصاب الجماهير المحلية المتحمسة، لكنه فعل ما هو أفضل من ذلك حين نجح بالفعل في تهدئتها بتسجيله الهدف الأول في البطولة عند الدقيقة التاسعة.
لم يكن هدفاً أيقونياً على طريقة سيفيوي تشابالالا عندما التقى المنتخبان في المباراة الافتتاحية نفسها في 2010.
لكن لمسة سيئة من سفيبيليلو سيثولي منحت المكسيك هدفاً وجدت جنوب أفريقيا نفسها عاجزة عن التعافي منه، وعندما تعرض لاعب الوسط الجنوب أفريقي للطرد بعد دقائق من بداية الشوط الثاني، بدا وكأن المباراة قد حسمت عملياً.
وأضاف راؤول خيمينيز هدفاً ثانياً وسط مشاعر جياشة ليؤكد الانتصار، مما أتاح للمكسيك إشراك عدد من المواهب الشابة التي من المأمول أن تضفي على هذا الفريق، الذي يتسم بالهدوء والسيطرة، مزيداً من الحيوية والإثارة.
مواهب شابة ترسم مستقبل المنتخب المكسيكيويأتي غيلبرتو مورا في مقدمة هؤلاء.
فهو أصغر لاعب في البطولة والوحيد الذي يبلغ 17 سنة، ومن المرجح أن ينضم إلى أحد أكبر الأندية الأوروبية خلال العام المقبل، وهو بلا شك لاعب يستحق المتابعة.
ودخل أرماندو غونزاليس بديلاً للمخضرم خيمينيز في خط الهجوم، وهو تغيير قد يجادل البعض بأنه كان يجب أن يحدث منذ البداية.
ويعد مهاجم تشيفاس الشاب لاعباً آخر يبدو متجهاً نحو آفاق أكبر وربما إلى أوروبا هذا الصيف.
حسابات التأهل وطموحات المكسيك المقبلةغير أن التطلع إلى هذه المواهب الشابة الأكثر حيوية لا يعني أن المكسيك قدمت أداءً سيئاً، بل على العكس تماماً.
لكن السعي إلى السيطرة رافقه أحياناً تداول للكرة بدا بطيئاً أكثر من اللازم، إضافة إلى أن البطاقة الحمراء المتأخرة التي حصل عليها سيزار مونتيس تمنح الجهاز الفني فرصة لتجربة خيار آخر في قلب الدفاع، وربما يكون لويس رومو صاحب القدرة على بناء اللعب، بينما تتوفر أيضاً خيارات أكثر هجومية في مركز الظهير الأيمن.
وفي النهاية فعلت المكسيك ما كان مطلوباً منها.
فبفضل النظام العبثي لهذه البطولة، باتت تملك بالفعل فرصة تبلغ 94 في المئة لبلوغ الأدوار الإقصائية، وأصبحت الأولوية الآن هي تصدر المجموعة لتجنب مواجهة صعبة في دور الـ32.
وحتى في حال تصدر المجموعة وتجاوز مباراة في الأدوار الإقصائية، فمن المرجح أن ينتهي بها الأمر إلى مواجهة إنجلترا في دور الـ16.
ويا لها من ليلة قد تكون في هذا الملعب التاريخي.
ومع انطفاء أضواء المباراة الأولى في هذه النسخة من كأس العالم، وتوجيه الجماهير نحو المخارج، يصعب تجاهل الشعور بأن كرة القدم تستحق ما هو أفضل من" فيفا"، وأن هذا الملعب، " عملاق سانتا أورسولا"، يستحق هو الآخر أفضل من أن تكون مباراته الأخيرة في كأس العالم هذه المرة ضمن دور الـ16.
ويبقى على أغيري أن يضمن أن ينطبق الأمر نفسه على المنتخب المكسيكي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك