بعد أشهر من التصعيد العسكري والتجاذبات السياسية والضغوط المتبادلة، وبين تصريحات أمريكية تتحدث عن اتفاق وشيك، ومواقف إيرانية تتسم بالحذر والترقب، تبدو الساعات الأخيرة وكأنها اختبار نهائي قبل الانتقال من المواجهة إلى التسوية.
ورغم الأجواء الإيجابية التي حاولت واشنطن إظهارها، فإن الرسائل الصادرة من طهران تعكس تمسكًا واضحًا بشروطها الأساسية، ما يجعل المشهد أقرب إلى جولة أخيرة من شد الحبال الدبلوماسي قبل إعلان أي اتفاق محتمل.
ماذا جرى خلال الساعات الأخيرة؟بدأت التطورات المتسارعة مع سلسلة من التصريحات المتباينة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته ”تروث سوشال“، فبعد ساعات من إطلاق تهديدات مباشرة ضد إيران والتلويح باستهداف بنيتها الأساسية النفطية والغازية، ولا سيما جزيرة خارك الإستراتيجية، أعلن بصورة مفاجئة إلغاء الضربات الجوية والصاروخية التي كانت مطروحة على الطاولة.
وعزا ترامب هذا التحول إلى وصول المحادثات مع إيران إلى ”أعلى المستويات“، مؤكداً من المكتب البيضاوي أن الجانبين باتا قريبين من التوصل إلى ”تسوية كبرى“ تضمن عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا في المستقبل.
كما تحدث الرئيس الأمريكي عن إمكانية إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية فور التوصل إلى اتفاق نهائي، متوقعًا أن يحدث ذلك خلال فترة قريبة، ومشيرًا إلى أنه أطلع عددا من قادة المنطقة على هذه التطورات.
في المقابل، تعاملت طهران بحذر مع التصريحات الأمريكية، إذا أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن بعض الروايات المطروحة تهدف إلى إظهار إيران وكأنها تراجعت تحت وطأة الضغوط، مشيرةً إلى أن نص التفاهم جاهز تقريبا وإيران أثبتت أنها لا تتهاون بشأن خطوطها الحمراء.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية ”إرنا“ عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قوله إن بلاده لم تتخذ بعد قرارًا نهائيًا بشأن الاتفاق المحتمل، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من نص التفاهم قد أُنجز بالفعل، إلا أن الحديث عن موعد أو مكان التوقيع لا يزال سابقًا لأوانه.
وأشار بقائي إلى أن الجانب الأمريكي كان يغيّر مواقفه خلال مراحل التفاوض المختلفة، مؤكدًا أن أي معلومات متداولة بشأن حسم الاتفاق لا تتجاوز نطاق التكهنات في الوقت الراهن.
كشفت وكالة ”تسنيم“ الإيرانية عن تفاصيل تتعلق بمسار المفاوضات، مشيرة إلى أن واشنطن حاولت إدخال تعديلات مفاجئة على مسودة اتفاق تتألف من 14 مادة، بالتوازي مع ضغوط عسكرية وسياسية مورست عبر وسطاء إقليميين ودوليين.
وبحسب المصادر التي نقلت عنها الوكالة، فإن إيران رفضت تلك التعديلات بشكل كامل، ما دفع الجانب الأمريكي إلى التراجع عنها وإبلاغ طهران استعداده للعودة إلى الصيغة الأصلية المطروحة سابقًا.
وأضافت المصادر أن المسودة ما تزال تخضع للمراجعة النهائية داخل المؤسسات المعنية في إيران، مؤكدة أن أي حديث عن اتفاق نهائي أو توقيع وشيك يبقى غير محسوم إلى حين انتهاء تلك المراجعات.
وتشير هذه الرواية إلى أن التسوية المطروحة حاليًا لا تختلف جوهريًا عن الصيغة التي كانت مطروحة قبل مرحلة التصعيد العسكري الأخيرة.
ومن جانبه، أكد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي أن أي خطوة أمريكية غير محسوبة كانت ستُقابل برد أكثر إيلامًا، في إشارة إلى أن خيار التصعيد ما زال حاضرًا رغم استمرار المسار الدبلوماسي.
وفي الوقت ذاته، نقلت وكالة ”فارس“ عن مصادرها أن طهران تبدو أقرب إلى الموافقة على الاتفاق، لكنها تفضل التريث قبل إصدار موقفها الرسمي النهائي، لضمان الحفاظ على جميع شروطها ومطالبها الأساسية.
من مذكرة تفاهم إلى اتفاق دائمفي خضم هذه التطورات، تتضح تدريجيًا ملامح المسار الذي قد يقود إلى الاتفاق النهائي، فبينما يتمسك ترامب باستمرار بعض إجراءات الضغط إلى حين إتمام التوقيع، كشفت شبكة CBS News، نقلًا عن مصدر دبلوماسي، أن الخطوة الأولى ستتمثل في توقيع مذكرة تفاهم تمهد لاتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران.
ووفق المصدر نفسه، فإن توقيع مذكرة التفاهم سيطلق فترة تفاوض إضافية تمتد إلى 60 يومًا، تُناقش خلالها التفاصيل النهائية للاتفاق، مع إمكانية تمديد هذه المدة إذا اقتضت الحاجة.
وبحسب المعلومات المتداولة، تتضمن الخطوات الأولية وضع جدول زمني لإزالة الألغام من مضيق هرمز وإعادة فتحه أمام الملاحة الدولية، إلى جانب التزامات إيرانية تتعلق ببرنامج التخصيب النووي، والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتعامل مع مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب في منشآت فردو ونطنز وأصفهان.
كما تشمل التفاهمات المحتملة الإفراج التدريجي عن الأصول الإيرانية المجمدة وفق آلية مرتبطة بمستوى الالتزام ببنود الاتفاق، إضافة إلى ترتيبات إقليمية أخرى يُقال إن من بينها تثبيت وقف الحرب في لبنان ضمن إطار التفاهم المرتقب.
رغم كثافة المؤشرات الإيجابية، ما يزال من المبكر الجزم بأن الاتفاق بات أمرًا واقعًا، فالرئيس الأمريكي تحدث مرات عديدة خلال الأشهر الماضية عن قرب التوصل إلى تفاهم مع إيران، قبل أن تعود الأوضاع إلى دوامة التصعيد والمواجهة.
إلا أن المعطيات الحالية تبدو مختلفة نسبيًا؛ إذ تشير التسريبات الدبلوماسية والتقارير الإعلامية إلى أن الطرفين باتا أقرب من أي وقت مضى إلى أرضية مشتركة، خصوصًا بعد تراجع بعض نقاط الخلاف التي كانت تعيق التوصل إلى تفاهم شامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك