في سياق الثورة الرقمية، كتب الباحثان في مجال الألسنية، مارك جهجه ويسرا غليس دراسة بعنوان" هل نسكن 'واتساب'؟ " يقاربان فيها، من ناحية نظرية وتطبيقية، مفهوم" السكن" داخل الفضاءات الرقمية، من خلال تحليل تفاعلات المستخدمين على تطبيق" واتساب" الإلكتروني.
يقوم مفهوم" السكن" أو" العيش في المكان" في هذه الدراسة على تجاوز الثنائية التقليدية بين العالمين الواقعي والافتراضي، إذ ينظر إلى الفضاء الرقمي كامتداد حي للتجربة الإنسانية، ولو أن هذا المفهوم لا ينتمي في أصله إلى المجال اللساني، لكنه يبدو للباحثين مفهوماً ذا جدوى وخصوبة لفهم الفضاءات الرقمية بغية استخلاص دلالات مهمة منها لعلوم اللغة وتحليل الخطاب، فمتى نسكن فضاء ما، وكيف يحدث ذلك؟ وما المقصود بعبارة" عالم خاص"؟هذه التساؤلات الفلسفية والاجتماعية والأنثروبولوجية تشكل خلفية هذه الدراسة التي تُعيد توظيف مفهوم" السكن" كما بلوره الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار ضمن أفق الفنومينولوجيا، والذي اعتبر أن الإنسان لا يكتفي بالوجود في المكان بقدر ما يُعيد تشكيله عبر خياله وذاكرته وعواطفه، فالمكان المأهول هو ذاك الذي يكتسب طابعاً حميمياً من خلال التجربة الذاتية، فيتحول إلى ملاذ نفسي ورمزي.
بخروجه إذاً عن الفهم البنيوي والجغرافي الصارم للفضاء، حلّل باشلار طوبوغرافية حميميتنا، كاشفاً عن المواضع التي تأويها كالزاوية والدرج والخزانة والبيت والغرفة، وعن الأشكال التي تتخذها.
ويرى باشلار أن الفضاء المسكون هو الفضاء الذي يكشف عن تنظيم وترتيب خاصين، يغذيهما الخيال، مشدداً على أن" وظيفة السكن" تقوم على تحويل فضاء معطى إلى فضاء شخصي بدرجات متفاوتة، عبر وساطة الخيال واللغة التي تعيد تشكيل بنية المكان وتنظيمه، ولهذا يكتب باشلار" إن كائناً حياً يملأ ملجأ فارغاً"، ذلك أن الإنسان يملك القدرة على شغل الفضاء من خلال إسقاط حياته فيه، بما تنطوي عليه من عواطف وذكريات وعلاقات مع الآخرين.
وبعبارة أخرى إن الإنسان يودع نفسه في الأشياء التي تحيط به.
من هذه الزاوية، لا يكون السكن مجرد احتلال مادي للحيز المكاني، وإنما فعل إسقاط للذات في العالم.
تتلاقى هذه الرؤية مع المقاربة الأنثروبولوجية لأستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية في" جامعة أبردين" في اسكتلندا، تيموثي إنغولد، الذي أكد في أبحاثه أن البيئة هي نتاج تفاعل مستمر بين الكائن الحي ومحيطه، وأن الإنسان يُعيد تشكيل العالم الذي يكتشفه وفق حاجاته ومشاريعه، وهنا تبرز فكرة" الإمكانات" أو ما يُعرف بـ" الأفوردانس"، أي الخصائص التي تتيحها الأشياء والتي يمكن استثمارها في الفعل، فيصبح الفضاء مجالاً دينامياً يتشكل عبر الاستخدام، لا مجرد إطار جامد.
انطلاقاً من هذه الأسس النظرية، تقترح الدراسة نقل مفهوم" السكن" إلى الفضاء الرقمي، وتحديداً إلى تطبيق" واتساب"، باعتباره بيئة تفاعلية معقدة تجمع بين اللغة والتقنية والصورة، فالتطبيق يتيح للمستخدمين إضافة إلى إمكان التواصل، إنشاء" عوالم صغيرة" خاصة بهم من خلال مجموعات النقاش، وتبادل الرسائل والوسائط المتعددة، مما يمكنهم من تحويل الفضاء الرقمي إلى بيئة معيشة، تُمارَس فيها أنشطة اجتماعية وثقافية متنوعة.
تعتمد الدراسة على تحليل عينة نوعية من محادثات" واتساب"، تتضمن نصوصاً مكتوبة وصوراً ورسائل صوتية، جُمعت في سياق طبيعي من دون تدخل الباحثين، ويُبرز منهج البحث أهمية دراسة الخطاب في سياقه البيئي، حيث لا يمكن فصل اللغة عن الوسيط الذي تُنتج فيه، فواجهة التطبيق، بما تتضمنه من رموز وأزرار وإشارات، تُشكل جزءاً من المعنى وتوجه سلوك المستخدمين بطرق ضمنية.
أحد أبرز مظاهر" السكن" في تطبيق" واتساب"، وفق الدراسة، يتمثل في إنشاء مجموعات النقاش التي تحمل أبعاداً رمزية واجتماعية، إذ يتطلب إنشاء المجموعة اختيار أعضائها وتسميتها، وهو ما يعكس هوية الجماعة وهدفها، فقد تحمل المجموعة اسماً يعكس علاقة قائمة مسبقاً، مثل" العائلة"، " العمل"، " سكان المبنى" أو هدفاً محدداً، مثل" هدية لزيد" إلى آخره، وفي كلتا الحالين، يُسهم الاسم في تحديد طبيعة التفاعل داخل المجموعة، ويُضفي عليها طابعاً خاصاً.
وكذلك فإن إدخال الأعضاء أو استبعادهم يُعد فعلاً دلالياً، يُحدد حدود الفضاء الاجتماعي ويُعيد تشكيله، وتُترجم هذه الأفعال تلقائياً إلى رسائل داخل المحادثة، مما يُظهر تداخل الفعل البشري مع النظام التقني، وهنا يتجلى الطابع" التكنو-لغوي" للتفاعل، حيث تتكامل اللغة مع الخوارزميات في إنتاج المعنى.
وتُظهر الدراسة كذلك أن التفاعل في" واتساب" لا يقتصر على اللغة المكتوبة، بل يشمل طيفاً واسعاً من الموارد السيميائية، مثل الصور والرموز التعبيرية والتسجيلات الصوتية، وهذه الوسائط لا تُستخدم فقط لنقل المعلومات، لأنها تُسهم في بناء العلاقات الاجتماعية، والتعبير عن المشاعر، وتحقيق التوافق بين المشاركين، فمثلاً يُستخدم الضحك المكتوب أو الرموز التعبيرية للإعراب عن التواطؤ أو التضامن، وهو ما يعكس" التزامن العاطفي" في التفاعل.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ومن الجوانب اللافتة أيضاً في هذا الفضاء تداخل الإشارات المكانية بين العالمين الرقمي والواقعي، ففي إحدى المحادثات تسأل إحدى المشاركات: " أنتِ هنا؟ "، في إشارة إلى وجود الأخرى على التطبيق، ثم تنتقل مباشرة إلى سؤال عن موقعها الجغرافي الفعلي، ويُظهر هذا المثال كيف تتداخل المرجعيات المكانية، إذ لا يعود من الممكن الفصل بين" الهنا" الرقمية و" الهنا" الفيزيائية والمكانية.
وهكذا يتشكل فضاء هجين، يجمع بين الحضور الافتراضي والوجود المادي، ولا يقتصر الأمر على تبادل المعلومات في مجموعات هذا التطبيق، بل يمتد إلى إعادة إنتاج الأنشطة الاجتماعية داخل الفضاء الرقمي، فقد أظهرت الدراسة مثالاً لمحادثة بين صديقين يتبادلان أطراف الحديث حول" جلسة شراب"، حيث يُحاكيان طقوس اللقاء الواقعي من خلال الرسائل والرموز التعبيرية، ويُظهر هذا المثال كيف يمكن للفضاء الرقمي أن يستوعب أنماطاً من التفاعل الاجتماعي، مع إدخال تعديلات تتناسب مع طبيعة الوسيط.
تستعين الدراسة كذلك بمفهوم" الإطار"، كما طوره عالم النفس الاجتماعي إرفنغ غوفمان، الذي ميز بين الإطار الأولي للفعل وإطاره المُحول، فالنشاط الاجتماعي، حين يُنقل إلى الفضاء الرقمي يُعاد تشكيله وفق خصائص الوسيط، وهكذا تصبح المحادثة نوعاً من" اللعب الاجتماعي"، تُحاكى فيه الأفعال الواقعية في سياق جديد.
تخلص الدراسة إلى أن الفضاء الرقمي، بخاصة تطبيق" واتساب"، لا يمكن اختزاله في أنه أداة تواصل، وإنما ينبغي فهمه كبيئة معيشة تُمارس فيها أشكال عدة من" السكن"، فالمستخدمون لا يكتفون باستعمال التطبيق، بل يُعيدون تشكيله وفق حاجاتهم، ويستثمرون إمكاناته لبناء عوالمهم الخاصة، ومن ثم فإن دراسة هذه الفضاءات تتطلب مقاربة متعددة الاختصاصات، تجمع بين الألسنية، والفلسفة، وعلم الاجتماع، لفهم تعقيد التجربة الإنسانية في العصر الرقمي.
هكذا يبدو أن" السكن في واتساب" ليس مجرد استعارة، إذ إنه توصيف دقيق لتحول عميق في علاقة الإنسان المعاصر بالمكان والتواصل، إذ أصبح يعيش في فضاءات عدة، يتنقل بينها باستمرار، ويُعيد تعريف ذاته من خلالها، وعلى هذا الصعيد تبرز أهمية هذا النوع من الدراسات في إضاءة التحولات الجارية في بنية الحياة الاجتماعية والثقافية الراهنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك