بعد أن ظلّ حبيس أدراج الوزارات ومكاتب الدراسات لما يقارب من عشرين عامًا، أُعيد إحياء مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) من قبل الدول المشاركة الثلاث، وهي نيجيريا والنيجر والجزائر، بعد سنوات طويلة من التأجيل والتجميد.
جاء ذلك على ضوء الزيارة التي قام بها بداية شهر يونيو/حزيران الجاري كل من وزير نيجيريا للموارد البترولية والمكلف بالغاز إكبيريكبي إيكبو، ووزير الطاقة والبترول للنيجر حامادو تيني، إلى الجزائر.
المسؤولان شاركا في الاجتماع الوزاري الخامس للجنة التوجيهية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي نظم في الجزائر العاصمة والتقيا بالرئيس تبون.
وبهذه المناسبة، تم إحياء هذا المشروع الذي قد يغير الخارطة الغازية أفريقيًا وأوروبيًا، نظرًا للكميات الهائلة من الاحتياطات التي تملكها نيجيريا من الغاز (أكثر من 5.
100 مليار متر مكعب)، ما يجعلها تحتل المرتبة التاسعة عالميا بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيران وفنزويلا ودول خليجية أخرى.
وما يزيد من ضخامة المشروع هو امتلاك الجزائر، هي الأخرى، لكميات هائلة من هذه المادة الطبيعية (حوالي 4500 مليار متر مكعب)، ما يصنفها في المرتبة الـ11 عالميًا.
والهدف من وراء بناء أنبوب الغاز العابر للصحراء هو نقل الغاز النيجيري، البلد المنبع، عبر أراضي النيجر والجزائر إلى الأسواق الأوروبية، وبشكل أخص إلى إيطاليا وإسبانيا عن طريق أعماق البحر الأبيض المتوسط.
وعلى ضوء الصراعات العسكرية والجيوسياسية، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية الأمريكية الأخيرة وتداعياتها على مضيق هرمز، والحرب الأوكرانية الروسية، واستيلاء الولايات المتحدة على نفط فنزويلا، فضلًا عن تضرر منشآت نفطية في دول الخليج جراء الضربات الإيرانية، تتجلى بقوة أهمية هذا المشروع، كونه سيسمح للدول الأوروبية بأن تؤمن حاجياتها الغازية وسيخفف الضغط على الأسواق العالمية.
اقرأ أيضاالجزائر تطلق أشغال أنبوب الغاز العابر للصحراء.
شراكة أفريقية لنقل 30 مليار متر مكعب سنويا إلى أوروباوبالتوازي مع ذلك، قررت كل من نيجيريا والمغرب بناء أبنوب مماثل بمسافة تقدر 6000 كيلومتر، يعبر عدة دول أفريقية (السنغال، موريتانيا، غينيا، سيراليون، ليبيريا وغينيا الاستوائية وساحل العاج إلخ.
) ليصل إلى المغرب ثم بعد ذلك إلى أوروبا.
الهدف هو نفسه إيصال الغاز النيجيري إلى أوروبا مع تزويد الدول التي يمر عبرها، على غرار موريتانيا والمغرب، بهذه المادة الحيوية.
فرانس24 تستعرض أبرز مميزات المشروعين ومدى قابليتهما على التجسيد على أرض الواقع.
• ما هي خصائص مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والجزائر ومساره الجغرافي؟يوصف بمشروع القرن نظرا لمسافته الطويلة التي تقدر بأكثر من 4000 كيلومتر.
ينطلق من مدينة راوي النيجيرية (1000 كيلومتر) لغاية إيطاليا وإسبانيا، مرورا بالنيجر (800 كيلومتر)، ثم الجزائر (2300 كيلومتر)، قبل أن يُدفن في أعماق البحر الأبيض المتوسط ليصل إلى دول أوروبا الجنوبية.
وفي تصريح لموقع" استثمار الجزائر" (Algeria Invest)، كشف محمد عرقاب، وزير الطاقة الجزائري بداية الشهر الجاري، أن أشغال بناء الشطر الجزائري للخط الغازي بدأت الأسبوع الماضي وفق بيان وزارة المحروقات الجزائرية.
فلم يتبق سوى إنجاز 1800 كيلومتر تتوزع كالتالي: 100 كيلومتر على الأراضي النيجيرية، و700 كيلومتر في النيجر، و1000 كيلومتر على الأراضي الجزائرية.
ووفق الصحفي الجزائري علي بوخلاف، لا يزال هذا المشروع يواجه عدة مشاكل لا سيما في الجزء المتعلق بالنيجر.
وقال لفرانس24: " شركة سوناطراك هي التي ستتكفل بوضع الأنابيب اللازمة على أراضي النيجر، لكن الأشغال لم تبدأ بعد لأسباب أمنية".
• ما هي كميات الغاز التي سيتم نقلها إلى أوروبا؟يهدف أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى نقل حوالي 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا من نيجيريا إلى أوروبا.
كما يتوقع تحويل كميات أخرى إلى سائل في مصفاتي أرزيو وسكيكدة بالجزائر، قبل أن يتم تصديرها إلى أوروبا التي تعتمد العديد من دولها على الغاز الجزائري، على غرار إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والبرتغال.
• ما الأهداف الاقتصادية التي تسعى الدول الثلاث إلى تحقيقها؟يهدف مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى تحقيق مجموعة من المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية لكل من الجزائر والنيجر ونيجيريا.
فعلى المستوى الاقتصادي مثلًا، تسعى نيجيريا إلى استغلال احتياطاتها الضخمة من الغاز الطبيعي عبر فتح منفذ جديد نحو الأسواق الأوروبية، الأمر الذي سيمكنها من زيادة عائداتها من صادرات الطاقة وتنويع طرق التصدير.
أما النيجر، فتطمح إلى الاستفادة من رسوم عبور هذا الغاز وجذب استثمارات جديدة في البنية التحتية والطاقة.
وقد يساهم ذلك في تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل.
أما بالنسبة للجزائر، فإن المشروع سيعزز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة من خلال نقل الغاز النيجيري عبر شبكتها الحالية من الأنابيب المتجهة نحو أوروبا (مثل ميد غاز وترانس ميد)، وقد يوفر لها مداخيل إضافية ويقوي دورها في سوق الغاز الدولية، وفق كاميل الساري، أستاذ في جامعة السوربون ومتخصص في القضايا الاقتصادية والمالية بشمال أفريقيا.
• وماذا عن البعد الاستراتيجي؟استراتيجيًا، يهدف المشروع إلى تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بين دول أفريقيا، فضلًا عن ربط موارد الطاقة في غرب القارة الأفريقية بشبكات التصدير التي تقع في شمالها.
كما يمنح الدول الثلاث ثقلًا أكبر في أسواق الطاقة العالمية، خاصة في ظل سعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر إمدادات الغاز.
• ما هي تكلفة المشروع وما التحديات الأمنية التي قد تواجهه؟قُدرت تكلفة المشروع عند إطلاقه سنة 2009 بحوالي 13 مليار دولار.
لكن ارتفع المبلغ منذ ذلك الحين ليصل اليوم، حسب بعض الخبراء في مجال الطاقة، إلى حوالي 20 مليار دولار، وذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية وصعوبة التضاريس، إذ أن غالبية المسار مكونة من صحراء قاحلة يصعب حفر الأنابيب فيها بسبب كثرة الرمال وجفاف السطح.
ولم تكشف الدول المشاركة في بناء هذا المشروع عن تكلفته النهائية والحقيقية.
وستكون الجزائر ونيجيريا من بين البلدان التي ستمول هذا المشروع بشكل أكبر.
فيما يتم الحديث عن مشاركة بنوك أفريقية ودولية، لكن لم يعلن أي بنك، لغاية الآن، الإسهام في هذا المشروع.
وإضافة إلى تحدي التمويل، يواجه المشروع تحديا آخر يكمن في تأمين الأنبوب (4000 كيلومتر)، خاصة وأنه سيمر جزء كبير منه عبر مناطق تنشط فيها جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود.
الأمر الذي يفرض توفير حماية أمنية كبيرة للبنية التحتية وتنسيقًا أمنيًا بين الدول المشاركة واستثمارات إضافية في أنظمة المراقبة والترصد.
• كيف ترى أوروبا المشروع وهل سيلبي احتياجاتها من الغاز؟تنظر الدول الأوروبية إلى مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء على أنه فرصة لتنويع مصادر التزود بالغاز منذ أزمة الطاقة التي خلفتها الحرب الروسية الأوكرانية المتواصلة منذ سنة 2022، حيث أصبحت مسألة الطاقة أولوية استراتيجية لهذه الدول التي قررت غالبيتها الكف عن شراء الغاز الروسي.
وفي هذا الإطار، تنظر بعض الدول مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا إلى أفريقيا باعتبارها أحد البدائل الممكنة لتعويض جزء من الإمدادات التي كانت تأتي من دول أخرى.
اقرأ أيضاالمغرب - نيجيريا: مشروع خط أنابيب غاز" يعيد رسم خارطة الطاقة" في أفريقيا؟فيما زادت عملية إغلاق مضيق هرمز من قناعة هذه الدول بضرورة التعامل بقوة مع بعض الدول الأفريقية الغنية بالنفط والغاز.
لكن يرى بعض المختصين من بينهم كاميل الساري أن المشروع لن يلبي كافة الاحتياجات الأوروبية التي تتجاوز حوالي 300 مليار متر مكعب سنويا.
ضف إلى ذلك أن دخول المشروع حيز التنفيذ سيستغرق سنوات عديدة بسبب التحديات المرتبطة بالتمويل والإنجاز والأمن.
بمعنى أن تأثير هذا الأنبوب على السوق الأوروبية سيكون ضمن رؤية طويلة الأمد وليس في إطار استجابة فورية لاحتياجات الدول الأوروبية.
وهنا ربما تكمن أهمية إطلاق مشروع أنبوب غاز آخر بين نيجيريا والمغرب، والذي يُلقب بالمشروع الأطلسي، الذي يهدف أيضا إلى توصيل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر المغرب.
• بعض المعلومات عن مشروع أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب؟يعتبر مشروع أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقوية في أفريقيا.
يمتد على نحو 6 آلاف كيلومتر.
تبلغ كلفته حوالي 25 مليار دولار.
ويهدف المشروع إلى ربط أكثر من عشر دول في غرب أفريقيا، مع تأمين تصدير الغاز النيجيري نحو الأسواق الأوروبية.
وصُمم الأنبوب ليتبع الساحل الأطلسي مرورًا بـ13 دولة أفريقية، ما قد يجعله أطول خط أنبوب غاز في العالم.
يتكون المشروع من مقطع بحري يبلغ طوله نحو 5100 كيلومتر، إضافة إلى مقطع بري يمتد على حوالي 1760 كيلومترًا.
أما على صعيد التمويل، فيعتمد المشروع على تحالف استراتيجي يضم مؤسسات مالية متعددة الأطراف، على غرار بعض الدول الخليجية كالإمارات العربية المتحدة ومنظمة أوبك والصين، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
• عناصر التشابه والاختلاف بين المشروعين؟يرى كاميل الساري، أستاذ في جامعة السوربون وخبير في شؤون الاقتصاد بمنطقة شمال أفريقيا، أن الجزائر والمغرب هما طرفان في كل مشروع وليسا صاحبا المشروع لكنه له هدف واحد، ألا وهو إيصال غاز نيجيريا إلى الدول الأوروبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك