وكالة الأناضول - أسود الرافدين يعودون للمونديال بآمال كبيرة بعد غياب 40 سنة الجزيرة نت - مباشر مباراة كندا ضد البوسنة والهرسك في كأس العالم 2026 القدس العربي - فضل الله: إذا حصل الاتفاق الإيراني ـ الأمريكي سيكون له انعكاسات مباشرة على لبنان CNN بالعربية - "أقرب من أي وقت".. وزير خارجية إيران يعلق على قرب التوصل لاتفاق مع أمريكا Euronews عــربي - "مجرد شائعات".. الشرع ينفي وجود نية سورية لدخول لبنان روسيا اليوم - "الفيفا" يعتمد طاقم تحكيم مواجهة مصر وبلجيكا في كأس العالم القدس العربي - السودان: 38 قتيلاً خلال 10 أيام في شمال كردفان قناة القاهرة الإخبارية - الرئيس اللبناني يوجه رسائل حازمة لإيران وإسرائيل روسيا اليوم - تقرير سويدي يتكهن بموعد اندلاع مواجهة مسلحة بين روسيا والناتو قناة الجزيرة مباشر - Above authority - you are crazy and hated
عامة

ليلة الإعلان عن اتفاق طهران وواشنطن

التلفزيون العربي

في تلك الليلة، لم يكن أحد في المطعم يتابع انطلاقة كأس العالم في المكسيك والولايات المتحدة وكندا، رغم أن الجميع تابع الطريق الصعب الذي واجهه منتخب إيران لكرة القدم وسيواجهه في ظل صعوبات التأشيرات الأمي...

في تلك الليلة، لم يكن أحد في المطعم يتابع انطلاقة كأس العالم في المكسيك والولايات المتحدة وكندا، رغم أن الجميع تابع الطريق الصعب الذي واجهه منتخب إيران لكرة القدم وسيواجهه في ظل صعوبات التأشيرات الأميركية.

على الأقل، لم يكن ذلك الحدث هو ما يشغل المدينة، أو على الأقل رواد ذلك المطعم.

في المطعم، كانت طهران تتمدد تحت الطاولات كبحر من الأضواء.

الموسيقى تتنقل بين أغنية قديمة تحفظها الأجيال وأخرى حديثة لا تزال تبحث عن مكانها في الذاكرة.

فتيات يرقصن حول قالب حلوى عيد ميلاد، وشبان يلوحون بهواتفهم في الهواء، وعاشقان يتبادلان حديثًا خافتًا بدا أكثر أهمية بالنسبة إليهما من أخبار العالم كلها.

وأسرة فرحة بولدها ذي السنوات الثماني أو التسع تقريبًا، يرقص على أنغام أغانٍ لا يعرفها ربما.

في الأفق، كان مصلى الإمام الخميني يلوح معتمًا، إذ إنه لم يكتمل بناؤه منذ عقود.

هناك، بعد أيام، ستقام مراسم إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان المرشد السابق علي خامنئي في العشر الثاني من شهر محرم.

حتى المباني كانت تبدو وكأنها تنتظر.

كانت طهران، بل إيران كلها، تحبس أنفاسها.

قبل ساعات فقط، كانت المنطقة تقف على حافة هاوية.

تهديدات أميركية بقصف البنى التحتية الإيرانية، وأحاديث عن استهداف المنشآت الحيوية، وسيناريوهات تقول إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سينفذها قريبًا للسيطرة على جزيرة خارك ومصادر النفط والغاز في إيران.

تهديدات متبادلة كادت تشعل من جديد موجات من النار قد تمتد من المياه الخليجية إلى شرق المتوسط مرورًا بالبحر الأحمر، كما هددت إيران من خلال حلفائها أنصار الله الحوثيين.

كانت الحرب قريبة بما يكفي لكي يتخيلها الجميع.

ثم وصلني الخبر.

قبل الجميع، كوني صحفيًا طبعًا.

خبر صغير في حجمه، هائل في معناه.

اتفاق بين طهران وواشنطن يعلن عنه الرئيس ترمب.

رفعت بصري نحو المدينة.

أدركت أن شيئًا كبيرًا انتهى للتو، وأن ملايين البشر لا يعلمون ذلك بعد.

بعد نحو خمسة وأربعين دقيقة، توقف المغني عن الغناء فجأة وقال عبر الميكروفون: " الآن علمنا أن الاتفاق أُنجز، والضربات العسكرية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب أُلغيت".

لم يحدث ما قد يتوقعه المرء من حدث بهذا الحجم.

لم يصفق أحد.

لم يهتف أحد.

توقفت الموسيقى لثوانٍ.

التفت بعض الجالسين نحو بعضهم بعضًا.

تبادلت العيون أسئلة صامتة.

ثم عادت الأغاني.

وكأن الناس لم يعودوا يملكون طاقة إضافية للخوف أو الفرح.

وكأنهم استنفدوا مشاعرهم كلها خلال الأشهر السابقة.

أو كأن الشك بالسياسة يملأ قلوبهم.

مدينة تحتفل رغم توقع الحرب ورغم تصريحات الساسة.

بحث عن الأمل وإصرار على الحياة.

قبل ذلك بساعات، كنت أقف في ساحة آزادي.

كنا نصور برومو لحلقة نقاشية عن إيران العالقة بين مسارين؛ الدبلوماسية والحرب.

كان برج آزادي يقف خلفنا شاهدًا على هذه المدينة وتاريخها.

اليوم اسمه" آزادي = الحرية"، وقد كان" شهياد" عندما أمر شاه إيران ببنائه ليكون رمزًا لإيران الحديثة.

لكن فجأة سمعنا أصواتًا غامضة.

دويًّا بعيدًا.

صوتًا يشبه الانفجار أكثر مما يشبه أي شيء آخر.

التفت المارة نحو مصدر الصوت.

قال رجل كان يعبر الساحة: " بدأ القصف.

الصوت آتٍ من هناك".

لم يكن الاتفاق قد وُلد بعد، ولم يكن أحد يعرف ربما أن الدبلوماسية كانت تخوض معركتها الأخيرة في مكان ما خلف الأبواب المغلقة.

ليتبين لاحقًا أنها أصوات رعد بعيدة في ظل تقلبات الطقس في طهران هذه الأيام.

في الطريق إلى المطعم، اخترت مترو الأنفاق.

بدت طهران أقل ازدحامًا من المعتاد، رغم أن ذلك كان يوم الخميس، يوم العطلة الأسبوعية.

سائق سيارة الأجرة الذي أقلني إلى ساحة آزادي كان قد لخّص المشهد بكلمات قليلة: " كثيرون غادروا إلى الشمال.

الناس تبتعد عن الخطر".

في المترو، كانت الجداريات المرسومة بأسلوب القصص المصورة تحكي رواية الأشهر الماضية: الحرب، والمفاوضات، والتهديدات، والصمود في السياسة والقتال.

كانت الجدران نفسها تحاول أن تروي للركاب كيف وصلت البلاد إلى هذه اللحظة.

في المطعم، عندما أُعلن الاتفاق، شعرت أن مهمتي ربما انتهت، أو أن جزءًا منها انتهى على الأقل.

وسط تلك الحالة الإيرانية الغريبة، حالة الحرب واللا حرب، والسلم واللا سلم، وجدت نفسي أفكر في معنى المهنة أكثر من الحدث نفسه.

يقولون إن الصحافة مهنة المتاعب.

لكن العبارة لا تقول كل شيء.

إنها تتحدث عن الصعوبات والمخاطر والتحديات المرتبطة بالجغرافيا والوقت والتواصل و.

ولا تتحدث كثيرًا عن الغياب.

عن المكالمات الفائتة.

عن الأعياد والمناسبات الخاصة التي تمر بعيدًا عن البيت.

عن القلق الذي يتحمله آخرون نيابة عنك.

كان المغني قد وصل إلى أغنية فرامرز أصلاني (الإيراني الذي كان يعيش في مريلاند الأميركية):في أواخر العام الماضي كنت في إجازة خارج إيران.

ثم جاء اتصال من الإدارة.

بعد ساعات قليلة كنت أغادر المنزل عند السادسة صباحًا متوجهًا إلى مقر التلفزيون العربي في قطر.

قيل لي إن المهمة قد تستمر أسبوعين أو ثلاثة.

كانت إيران تعيش احتجاجات غير مسبوقة.

رسميًا وُصفت بمحاولة انقلاب، وشعبيًا تركت آثارًا لن تزول.

مهمة الأسبوعين مستمرة في شهرها السادس.

ستة أشهر تركت خلالها العبء الأكبر على زوجتي لإدارة شؤون الأسرة، وتركتها ووالديّ وأسرتي الكبيرة يعيشون قلق نشرات الأخبار.

لم أكن أتنقل بين جبهات حرب استمرت أربعين يومًا فحسب، بل إن مكتب التلفزيون العربي أيضًا تعرض لصاروخ وكنت داخله.

نجوت وزملائي من الموت، ثم مع انتهاء الحرب دخلنا مرحلة من تغطية التوترات والمناوشات السياسية والعسكرية، وهو ما استمر أكثر من ستين يومًا بعد الحرب، رصدت فيها تحولات الأوضاع الاجتماعية والثقافية في المجتمع الإيراني أيضًا.

أكثر من مجرد مذكرة تفاهم سياسيةلم تكن الحرب مجرد احتمال عسكري انتهى بالإعلان عن الاتفاق ربما.

ففي بلد تجاوز فيه التضخم خلال السنوات الأخيرة حدود الأربعين في المئة في بعض الفترات، كان الإيرانيون يعرفون أن مزيدًا من الصواريخ والقصف يعني أسعارًا أعلى، وفرص عمل أقل، وأيامًا أصعب.

لذلك كان الاتفاق بالنسبة لكثيرين أقل ارتباطًا بالسياسة وأكثر ارتباطًا بالحياة اليومية نفسها.

لهذا بدا الاتفاق أكبر من مجرد وثيقة سياسية.

لم يكن مجرد تفاهم بين حكومتين.

كان اتفاقًا بين ملايين الآباء والأمهات الذين يريدون أن ينام أبناؤهم دون أصوات إنذارات أو قصف.

وبين أصحاب المتاجر الذين ينتظرون عودة الزبائن، وبين سائقي الشاحنات والبحارة والتجار الذين يعيشون على حركة البحر.

فخلال الأزمة، لم يكن مضيق هرمز مجرد اسم يتردد في نشرات الأخبار، بل كان شريانًا عالميًا عانى اضطرابًا كبيرًا.

شريان يمر عبره أكثر من عشرين مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك النفطي العالمي وربع تجارة النفط البحرية في العالم.

كما يمر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

وكانت الاضطرابات فيه ترسل موجات ارتدادية إلى اقتصادات العالم كلها، من الولايات المتحدة نفسها مرورًا بأوروبا وصولًا إلى جنوب شرق آسيا.

وخلال أشهر التوتر، لم تكن الخسائر تُقاس فقط بالأرقام العسكرية.

فالأسواق تباطأت، والاستهلاك انكمش، والاستثمارات انتظرت، والمصانع أجّلت قراراتها.

وعاشت الأسر الإيرانية على إيقاع الحذر والترقب.

أما العالم، فكان ينظر إلى هذه الحرب كما ينظر المريض إلى شاشة جهاز مراقبة نبضات القلب.

فكل اهتزاز صغير كان ينعكس على أسعار الطاقة والشحن والتأمين.

بل إن مؤسسات دولية بدأت تتحدث عن تباطؤ محتمل في النمو العالمي إذا استمرت الاضطرابات واتسع نطاقها.

ولهذا، عندما عاد المغني إلى أغنيته بعد إعلان الاتفاق، أدركت أن القيمة الحقيقية للأحداث الكبرى لا تكمن دائمًا في البيانات الرسمية أو المؤتمرات الصحفية، بل أحيانًا تكمن في أشياء أصغر بكثير.

في أمّ لن تنتظر اتصالًا مرعبًا في منتصف الليل.

في زوجة سيتوقف قلقها قليلًا.

في سفينة ستعبر المضيق بأمان.

في مدرسة ستفتح أبوابها كالمعتاد.

وفي مدينة، مثل طهران تلك الليلة، تستطيع أخيرًا أن تزفر الهواء الذي احتفظت به طويلًا في رئتيها.

غادرت المطعم قبيل منتصف الليل، وكانت طهران لا تزال مضاءة كما رأيتها أول مرة.

السيارات في الشوارع، والأبراج تلمع فوق تلال المدينة، والهواء الصيفي نفسه يهب على المدينة.

لكن شيئًا واحدًا فقط كان قد تغيّر.

قبل ساعات، كانت هذه المدينة تستعد لاحتمال الحرب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك