يظل القلب رمانة الميزان في حركة الدم الدائبة بين الشرايين والأوردة.
ينقبض القلب بقوة ليدفع الدم في شريان الأورطى الذي يتولى دفعه في كل شرايين الجسم التي تشكل شبكة محكمة الصنع متصلة حتى أطرافها، التي تبدأ منها شبكة أخرى من الأوردة يعود فيها الدم إلى القلب مرة أخرى عبر الوريدين الأجوف السفلي والعلوي.
تنبسط عضلة القلب لتستقبل الدم القادم من كل أوردة الجسم، لتنقبض مرة أخرى فتدفعه في اتجاه الرئتين اللتين تتوليان عملية تنقيته وتزويده بالأكسجين وإعادته مرة أخرى إلى القلب ليعود ضخه في شريان الأورطى.
دورة كاملة مع كل نبضة قلب، إيقاع لا يشوبه خلل ما دام احتفظ القلب بقدرته على دفع الدم بقوة كافية في الشرايين، وحافظت الأوردة على قدرتها على دفع الدم مرة أخرى في اتجاه القلب.
ماذا يحدث إذا فقد القلب بعضًا من قدرته على دفع الدم بقوة، وتكاسلت الأوردة؟جلطة الأوردة العميقة أحد ألغاز الصحة المميزة.
قد تحدث في صورة محدودة، جلطة صغيرة في أحد الأوردة الصغيرة غير المهمة، فتمر بلا أعراض أو أخطار.
لكنها أيضًا يمكن أن تحدث لتسد وريدًا مهمًا في الساق أو الفخذ، فتتورم الساق وتبدو عليها علامات الالتهاب من الاحمرار والألم، خاصة إذا توقفت في منطقة السمانة من الساق.
يتوقف خطر جلطة الوريد عند علاجها وانتهاء أمرها، لكن إذا تحركت من مكانها وانطلقت مع تيار الدم المتجه إلى القلب، سرعان ما تصل إلى البطين الأيمن الذي يدفعها مع الدم في الشريان الرئوي في اتجاه الرئة.
وتظل في اندفاعها حتى تنحسر في أحد فروع الشريان الرئوي، عندها يشعر الإنسان بألم حاد مصدره الصدر «الرئة»، وضيق شديد في التنفس، وتزايد في سرعة ضربات القلب.
خلل مفاجئ في إيقاع دورة الحياة قد ينهيها في لحظات.
أسباب جلطة الأوردة العميقةعاملان جوهريان هما السبب في تلك الجلطة التي تبدو كالسهل الممتنع.
الأول هو ركود حركة الدم في الساقين، الذي قد يحدث نتيجة عدم الحركة لفترات طويلة، كالسفر في رحلات طويلة بالطائرة أو قضاء فترات طويلة في الفراش لمرض أو كسر اضطر الإنسان إلى تثبيته بالجبس.
ومن أهم الأسباب المعروفة الآن الجلوس لفترات طويلة للعمل على مكتب أو أمام شاشة الكمبيوتر.
أما العامل الثاني فيرجع إلى أي سبب ينتقص من قدرة القلب على الانقباض، كحالات هبوط القلب الاحتقاني.
هناك أيضًا قابلية دم الإنسان لتكوين الجلطات، وهي قابلية تختلف من إنسان إلى آخر، وتزيد عند المرأة أثناء فترة حملها أو تناولها حبوب منع الحمل، كما قد يرث الإنسان قابلية الدم للتخثر بأنواعها المختلفة.
تكوين الجلطات أيضًا قد يحدث لدى مرضى السرطان وأثناء إجراء العمليات الجراحية أو عند التعرض للحوادث الكارثية كحوادث الطرق والسيارات.
إذا لم تعلن الجلطة وجودها في مكانها بصورة واضحة كالألم والاحمرار، فإن مهمة الطبيب قد تبدو صعبة للغاية، إلا أن هناك عددًا من وسائل الفحص الحديثة تتيح تشخيصًا دقيقًا يتبعه علاج سريع.
* صورة بالموجات فوق الصوتية قد تتيح التشخيص، لكنها إذا لم تسفر عن معلومات كاملة يمكن متابعتها بأبحاث أخرى.
* فحص الأوردة بالأشعة بعد حقنها بصبغة ملونة.
* فحص الأوردة بالرنين المغناطيسي.
وهي اختبارات تفيد أيضًا في متابعة حالة المريض والتنبؤ بما يمكن أن يحدث من مضاعفات.
تعطي صورة واضحة عن سرعة تجلط الدم، وهل هناك قابلية لتجلط الدم لها علاقة بطبيعة الإنسان نفسه أو نتيجة مرض وراثي.
متابعة المريض وفحصه بانتظام وتقييم حالته العامة وفحص القلب والرئتين، والانتقال السريع للعناية المركزة في حالة إذا ما تحركت الجلطة من مكانها، كلها عوامل يجب الحرص عليها ووضعها في الحسبان منذ البداية.
هل هناك علامات تنذر بالخطر؟قد تمر حياة الإنسان فلا يتعرض لخطر جلطات الأوردة العميقة، لكن هناك بعض العوامل التي قد يصاحبها ذلك الخطر، يجب التنبه لها مثل:* تعرض الأوردة للضرر الذي قد لا يلحظه أحد أثناء إجراء الجراحات المختلفة في البطن أو الحوض أو عمليات تجبير أو كسور الساق والحوض وأثناء فترات النقاهة الطويلة التي يقضيها الإنسان في الفراش.
* تناول الهرمونات مثل التيستوستيرون أو الإستروجين، ومنها حبوب منع الحمل.
* الأمراض الوراثية التي تعكس خللًا في العوامل التي تتحكم في سيولة وتجلط الدم، وهي للأسف عوامل لا ينتبه لها الإنسان إلا حينما تسوقها الصدفة في حادث مفاجئ.
* أمراض الأمعاء الالتهابية كتقرحات القولون ومرض كرون غالبًا ما يصاحبها مشاكل تجلط الدم، لذا يجب التنبه لاحتمالات حدوثها.
* أيضًا أمراض الرئة وإصابات السرطان.
* وجود تاريخ مرضي عائلي لحالات جلطات الأوردة العميقة.
* السمنة والتدخين والحياة التي تنقصها الحركة، كلها عوامل قد تنذر بخطر إصابات الأوردة العميقة بالجلطات.
حجر الزاوية في علاج جلطة الأوردة العميقة هو حماية الرئة من خطر انتقال الجلطة إليها، وبالتالي حماية حياة الإنسان.
يلي ذلك محاولة تخفيف حدة الأعراض، وأهمها الألم الذي قد يمنعه من الحركة، وتحسين الدورة الدموية للعضو المصاب بالجلطة «غالبًا الساق».
الراحة في الفراش أمر واجب بعد تشخيص جلطة الوريد، والاستلقاء مع الاحتفاظ بالقدمين في مستوى أعلى من المعتاد.
وقد يتم ذلك في المستشفى أو المنزل مع العناية الكافية إلى جانب العلاج الذي غالبًا ما يكون في صورة أدوية مسيلة للدم تحافظ على قدر محسوب من السيولة في مواجهة القابلية للتخثر باستخدام:ويتم حقنه بصورة منتظمة محسوبة في البداية في الوريد لحاجتنا إلى ضبط سيولة الدم بسرعة تضمن مكافحة التخثر، ثم تحت الجلد حينما يتم التحكم في نسبة السيولة.
يتم استبدال الهيبارين بمضادات التجلط التي يمكن تناولها على شكل أقراص، تستمر المداومة عليها لفترة لا تقل عن ستة أشهر يعود الدم فيها إلى طبيعته، التي يمكن اختبارها باستمرار بعينات الدم في المعمل.
في حالات الإصابة بجلطات تنذر بالخطر يمكن حقنها باستخدام مذيبات الجلطة إذا تم تشخيصها في بدايتها، وقد تستخدم القسطرة للوصول إليها بدقة داخل الوريد، لكن نجاحها يتوقف على سرعة التدخل في وقت مبكر من تكونها لا يتعدى الأسبوعين.
يوصى دائمًا بارتداء الجوارب الضاغطة التي قد لا تريح البعض، لكنها تحقق فائدة مرجوة في تقليل حدة الألم وركود السوائل في أنسجة الساق، والتي ينتج عنها الورم الذي يعوق الدورة الدموية، كما أنها تحافظ على سلامة الجلد.
الواقع أن علاج جلطة الأوردة العميقة قد ينهي المشكلة جذريًا، إنما تظل بعض احتمالات الخطر قائمة، لكنها أيضًا قد تنتهي إلى حيث لا رجعة.
لذا فتقييم حالة المريض بدقة وشرحها له في ضوء تفاصيل كل حالة على حدة أمر واجب وملزم على الطبيب المعالج.
شفاء حالات الجلطة التي ينجم عنها جلطة رئوية قد يخلف بعض المشكلات الدائمة، مثل ضيق التنفس المزمن أو ارتفاع ضغط الدم في الشريان الرئوي وكفاءة أقل لأداء عضلة القلب، ما يستوجب متابعة طبية دائمة.
قد تمر أحداث جلطة الأوردة العميقة بلا أي أعراض أو متاعب، لكنها أيضًا إذا ما أعلنت عن نفسها وتم علاجها دون مضاعفات رئوية، تظل تنذر بخطر عودتها خلال العشر سنوات التالية من الإصابة بالجلطة.
هناك احتمال تصل نسبته إلى 30% ينذر بعودتها.
إذا ما أسفرت الجلطة عن انسداد وريد مهم، فإنها بلا شك تقود إلى متاعب لاحقة تتباين بين الورم بصفة مستمرة والألم وظهور الدوالي، وربما أيضًا ظهور تقرحات مؤلمة في الجلد محل الإصابة فيما يسمى بمتلازمة ما بعد الجلطة.
رصد جلطة الأوردة العميقة مبكرًا واتخاذ بعض الخطوات التي قد تقي منها أمر قد يدرأ أخطارًا لا مثيل لها.
الحركة هي أهم أسلحة الإنسان في مواجهة الجلطة إذا سلم من الأمراض التي تمهد لوجودها كعيوب التجلط الوراثية أو الأمراض التي تسهم في حدوثها.
الحركة الدائمة حتى وأنت جالس؛ يمكنك تحريك قدميك وممارسة انقباض عضلاتها وانبساطها، مع قدر كافٍ من الماء لري أنسجة الجسم.
وسيلة بسيطة للغاية تضمن صحة وسلامة الأوردة، وكما ردد بسطاؤنا: في الحركة بركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك