نواكشوط –«القدس العربي»: دخل مسار الحوار السياسي المرتقب في موريتانيا مرحلة جديدة من التجاذب بعد استئناف منسق الحوار موسى فال اتصالاته مع مختلف الأقطاب السياسية، في محاولة لتجاوز حالة التوتر التي خلفها الخلاف حول إدراج ملف «المأموريات» ضمن القضايا المطروحة للنقاش.
وبينما تتواصل المشاورات خلف الأبواب المغلقة، يتسع الجدل في الفضاء السياسي والإعلامي حول طبيعة الحوار وأولوياته وحدود القضايا التي ينبغي أن يتناولها.
ويأتي الحراك الجديد بعد اللقاء الذي جمع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بقيادات من المعارضة، وهو لقاء كان يُنظر إليه باعتباره فرصة لإزالة إحدى أبرز العقبات التي تعترض طريق الحوار.
غير أن الرسائل التي خرجت من ذلك الاجتماع أكدت تمسك الرئاسة بمبدأ فتح النقاش أمام جميع الملفات دون استثناء، وهو ما أعاد الكرة إلى ملعب الفرقاء السياسيين ومنسق الحوار المكلف بتقريب وجهات النظر.
وقد أظهر تطور النقاش الحالي أن الخلاف لم يعد مقتصراً على مضمون ملف بعينه، بل أصبح يتعلق بفلسفة الحوار نفسها؛ فالأغلبية ترى أن أي حوار وطني يفقد جزءاً من شرعيته إذا تم استبعاد أية قضايا مسبقاً، بينما تعتبر أطراف معارضة أن مجرد إدراج بعض الملفات الحساسة على جدول الأعمال قد يفتح الباب أمام مراجعة ترتيبات دستورية تراها محسومة وغير قابلة للنقاش.
ومن الناحية السياسية، تبدو هذه المواجهة أقرب إلى «صراع على أجندة الحوار» أكثر منها خلافاً على مخرجاته النهائية.
بينما تتواصل التحضيرات وراء الأبواب المغلقةفكل طرف يدرك أن التحكم في جدول الأعمال يمنحه أفضلية في التأثير على اتجاه النقاشات اللاحقة وعلى الرسائل السياسية التي ستصل إلى الرأي العام.
وفي هذا السياق، تزداد أهمية الدور الذي يلعبه منسق الحوار، إذ يجد نفسه أمام مهمة مزدوجة: المحافظة على مبدأ الشمولية الذي تتبناه السلطة من جهة، وإقناع المعارضة بأن المشاركة لا تعني التسليم المسبق بكل الطروحات من جهة أخرى.
وتوحي المعطيات المتداولة منذ لقاء الرئيس بالمعارضة بأن الرئيس اختار تثبيت قاعدة سياسية واضحة مفادها أن الحوار ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام مختلف القضايا، وأن الحلول لا تُبنى على استبعاد المواضيع وإنما على مناقشتها والوصول بشأنها إلى توافقات أو رفضها داخل قاعة الحوار نفسها.
الرئيس يرسخ قاعدة «لا خطوط حمراء»وينسجم هذا الموقف مع الخطاب الرسمي الذي يؤكد أن نجاح أي حوار وطني يتطلب توفير فضاء يسمح لكل طرف بعرض رؤيته كاملة دون قيود مسبقة، كما يعكس رغبة السلطة في تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي يفرض على الأغلبية أو المعارضة ما يجب طرحه أو استبعاده.
لكن هذه المقاربة تطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى قدرة الأطراف السياسية على الفصل بين الحق في طرح القضايا وبين إمكانية تمريرها عملياً.
فالكثير من مخاوف المعارضة تنبع من القراءة السياسية للملفات المطروحة أكثر من ارتباطها بالإجراءات الحوارية ذاتها.
الرأي العام بين السياسة والمعيشةبعيداً عن التجاذبات الحزبية، يبرز اتجاه متزايد داخل الرأي العام يرى أن النقاش السياسي الجاري لا يعكس بالكامل أولويات المواطنين اليومية.
ويستند هذا الاتجاه إلى أن البلاد تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة تتعلق بالتشغيل وارتفاع الأسعار والخدمات الأساسية والتنمية المحلية، وهي ملفات تحظى بحضور أكبر في اهتمامات الشارع مقارنة بالنقاشات الدستورية والسياسية.
وفي هذا الإطار، أثارت مداخلات عدد من الكتاب والمهتمين بالشأن العام نقاشاً موازياً حول الحاجة إلى توسيع مفهوم الحوار الوطني ليشمل البعد الاقتصادي والتنموي بصورة أعمق.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن نجاح أي توافق سياسي ينبغي أن يقاس بقدرته على إنتاج حلول عملية لمشكلات التنمية وتحسين الظروف المعيشية، وليس فقط بقدرته على إنهاء الخلافات بين النخب.
وتكتسب هذه الطروحات زخماً خاصاً في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها موريتانيا، مع تنامي الرهانات المرتبطة بالغاز والمعادن والطاقة المتجددة، وما يرافقها من تطلعات شعبية إلى تحقيق انعكاسات ملموسة على فرص العمل ومستويات الدخل والخدمات.
سيناريوهات المرحلة المقبلةيبدو أن المرحلة الحالية مرحلة اختبار حقيقية لقدرة الفرقاء على الانتقال من سجال المبادئ إلى البحث عن حلول وسط.
فالمشاورات الجارية قد تفضي إلى صيغة تسمح باستمرار الحوار مع بقاء كل طرف متمسكاً بمواقفه السياسية، وهو سيناريو شهدته تجارب حوارية سابقة في البلاد.
كما أن المؤشرات الصادرة عن بعض المشاركين توحي بوجود استعداد لمواصلة النقاش والبحث عن مخارج إجرائية تحول دون انهيار المسار قبل انطلاقه رسمياً، وهو ما يعني أن الباب ما زال مفتوحاً أمام تسويات تحفظ ماء وجه الجميع.
وفي المقابل، فإن استمرار التصلب قد يؤدي إلى إطالة أمد التحضير للحوار وتأجيل انطلاقته، وهو خيار لا يبدو مرغوباً لدى السلطة ولا لدى أغلب القوى السياسية التي تدرك الحاجة إلى الحفاظ على مناخ التهدئة والتشاور.
بين الرهان السياسي والاستحقاق التنموي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك