لم أستطع صرف عقلي طوال قراءتي لرواية «طبيب نفسي متهور» للطبيب النفسي ورسام الكاريكاتير الموهوب الدكتور إيهاب هندي، عن فكرة أساسية ظلت تلح من البداية وحتى النهاية: «يجب أن تتحول تلك الرواية إلى مسلسل بشكل عاجل»، جرعات الضحك، وكم المفارقات التي تحملها صفحات الرواية الـ178 والصادرة عن دار الرسم بالكلمات للنشر والتوزيع، كفيلة بتقديم مسلسل كوميدي فارق وقوي، يبحث عنه المنتجون بالفعل، عمل قادر على محو بعض من بؤس الواقع ببؤس أكثر سوداوية، قادم من عالم الكوميديا السوداء، أو كما يقول المثل الشعبي: «شر البلية ما يضحك».
للوهلة الأولى ستظن أنك بصدد رواية حزينة، بغلاف أبيض وأسود، بريشة الفنان المميز عبد الرحمن نجم الدين، لكن تلك هي الخدعة الأولى، فما إن تخطو بالداخل وأنت تظن أنك أخيراً سوف تكتشف خبايا غرف الأطباء النفسيين، وكواليس الاعترافات داخل غرف الكشف، حتى تجد نفسك خطوت داخل عالم غير متوقع، أبطاله قادرون على انتزاع استغرابك، ثم لا تلبث تُقهقه، لتنتقل حالة الاستغراب إلى من حولك، حيث سيتساءلون بالضرورة حول ما يجري.
إذاً، ألا تدور الرواية حول طبيب نفسي؟ بلى، تدور، تدور حوله، وبه، وفيه، تدور بالمعنى الحرفي لـ«تدور» وأنت كقارئ معها تدور أيضاً بين مجموعة مفاجآت في ذلك الطابق من إحدى عمائر منطقة إمبابة، حيث يقرر «طبيب نفسي» أن يفتتح عيادته، ويقرّر «شيخ نفسي» أن يفتتح مكتبه أيضاً، لتبدأ مباراة قوية بين الطرفين، لكن من يفوز في النهاية بتصديق الناس وإيمانهم؟يفقد الطبيب رباطة جأشه، ويفقدها بصحبته أستاذه الذي يحاول مساعدته، فتخرج الأمور عن السيطرة، لكن ماذا يجري إذا فقد طبيب نفسي مرموق رباطة جأشه حين حاول أحد المرضى استغلاله بالحصول على استشارة عبر الهاتف ولا يعجبه الرد، فيواصل الإلحاح بينما الطبيب في موقف صعب، أقتبس ذلك الجزء الذي يقول فيه: «جرى دكتور خليل على الهاتف وأمسك بالسماعة يا أخي إن شالله مارتحت.
عن أهلك مارتحت.
طيب أقول لك.
روح إلهي ماترتاح.
وعمرك ما تشوف الراحة.
إلهي تجيب بحق الكشف اللي مش عاوز تدفعه دوا لعينيك».
«الآن شهادة البكالوريوس معلقة في الصالون، ونسخة منها في الصالة، ونسخة ثالثة في غرفة نوم والديه.
كما طلب خطيب أخته في الخليج نسخة.
ستسافر الأسبوع القادم مع شركة الشحن»، على الطريق سوف تتكشّف مجموعة من التفاصيل التي ربما تغيب أحياناً عن بال الكثيرين، أهمها أن الطبيب النفسي يغضب أيضاً، ينفعل، يثور، ويمرض، بل إنه يحتاج ربما أكثر من غيره إلى دعم نفسي وعناية، كما أنه أيضاً قد يكره الدواء، ويمقت فكرة الوقوع تحت تأثير التعب النفسي، لكن الحقيقة المرة هي أنه لا ناجون وسط مجتمع مهووس بالدجل، ودوائر لا تلقي بالاً لما قد تتركه الإهانات والضغوط في نفس المرء، هكذا يصبح الجميع ضحايا محتملين.
سرد يتنوع بين الفصحى والعامية، وإيقاع سريع، والأهم أنه ليس ثمة دقيقة ملل واحدة، فقد نجح الكاتب، رغم أنها روايته الأولى، في الإمساك بقارئه من البداية إلى النهاية، عبر الكوميديا تارة، وعبر المفاجآت المتوالية تارة أخرى، لكن الأكيد أن كم السخرية والكوميديا السوداء التي حملتها كانت فارقة حقاً، ناهيك عن معالجتها مسألة الطب النفسي بصورة مختلفة تماماً، والتشويق الذي يبدأ مع الصفحة الأولى ولا ينتهي مع الصفحة الأخيرة حيث يمكن ببساطة للكاتب أن ينطلق في جزء ثانٍ إن أراد.
الدكتور إيهاب هندي طبيب نفسي، تخرج في كلية الطب قصر العيني، جامعة القاهرة عام 2004، عمل رسام كاريكاتير في عدة صحف مصرية كالأهالي والدستور والبديل والتحرير، ويعمل إخصائياً للطب النفسي في مستشفى العباسية للصحة النفسية، والحق أنه استطاع بطريقة ذكية أن يدمج خبرته كاملة بين الكاريكاتير والكتابة والطب، ليقدمها جميعاً في عمل أدبي، يعطيك مساحة للتأمل، ويمنحك أيضاً ضحكاً خالصاً وصافياً في زمن عز فيه الابتسام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك