في كل أسبوع تعلن جامعة أو كلية أو مخبر بحث عن تنظيم ملتقى وطني أو يوم دراسي أو ندوة علمية حول موضوع من الموضوعات التي تزخر بها مختلف العلوم.
وتبدو هذه الحيوية في النشاطات العلمية، للوهلة الأولى، علامة صحية تدل على ازدهار البحث العلمي ونشاط جامعتنا وانفتاحها على قضايا المجتمع.
غير أن النظرة المتأنية إلى واقع عدد معتبر من هذه الملتقيات تكشف عن مفارقة مؤلمة: التوسع الكمّي في تنظيم الملتقيات لم يصاحبه تحسن مناسب في جودة البحث العلمي أو في حجم الإنتاج المعرفي ذي الأثر الإيجابي.
نموذج من ملتقياتنا العلميةلقد أصبحت الملتقيات العلمية في كثير من الحالات جزءا من منظومة إدارية متعفنة أكثر منها جزءا من منظومة معرفية راقية، داؤها “اللهث وراء شهادات المشاركة”: فطالب الدكتوراه يحتاج إلى شهادة المشاركة في الملتقيات لتدعيم ملف مناقشته وإضفاء مزيد من الجدية عليه، والباحث المقبل على التوظيف يسعى بدوره إلى إثراء سيرته الذاتية بما يعزز حظوظه في منافسة أقرانه من المترشحين، والأستاذ الجامعي يحتاج إلى تلك الشهادات لاستكمال متطلبات الترقية وقضاء مآرب أخرى، مثل الاستفادة من التربصات والتكوين بالخارج.
كما أن الجامعة تحتاج إلى أرقام وإحصاءات تُبرز حركيتها العلمية أمام الوصاية وفي التصنيفات العالمية، ويحتاج مخبَر البحث إلى نشاطات تبرر وتضمن استمراره وتمويله.
وهكذا تتشابك المصالح بين الأفراد والمؤسسات العلمية لتغذي تضخما متواصلا في عدد الملتقيات وفي عدد المشاركين فيه.
وليس من الصعب العثور على أمثلة فاضحة تجسد انحدار بعض الملتقيات الجامعية إلى مستوى النشاط الشكلي الخالي من القيمة العلمية الحقيقية.
ويكفي أن نتوقف عند نموذج واحد -شبيه بعديد النماذج الأخرى- يكشف حجم الاختلال الذي أصاب هذا النوع من التظاهرات.
ففي التاسع من ماي، نظمت جامعة التكوين المتواصل بمركز أدرار -بالتعاون مع مخبر تسيير المؤسسات والتنمية الاقتصادية التابع لها بمركز وهران والذي ينتسب إليه 35 باحثا حسب ما ورد في موقعه- نظمت ملتقى وطنيًا كان يفترض أن يجسد قيم البحث العلمي الجاد، فإذا به يقدم مثالا حيا على الكيفية التي يمكن أن تتحوّل بها الجامعة إلى “مصنع” لشهادات المشاركة، ولو كان ذلك على حساب جودة النقاش العلمي، واحترام الباحثين، والحد الأدنى من العقلانية التنظيمية.
كان عنوان الملتقى “تفعيل المشاركة المجتمعية في صنع القرار المحلي” الذي نعتقد أن المقصود به هو البحث في كيفية جعل المواطنين -بمعية مؤسسات المجتمعات المحلية- يشاركون فعليًا في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم اليومية داخل الجماعات المحلية.
فما أجمله من هدف، لكننا لم نقرأ أي ديباجة توضح الموضوع بدقة.
أما برنامجه فسُجّل فيه أن فعالياته تفتتح على الساعة 9سا صباحا بأيات من القرآن الكريم، وتنتهي المقدمات بتكريمات على الساعة 10سا.
وحينها تنطلق الجلسات العلمية لتنتهي على الساعة 11سا 40 باستثناء الجلسة الحضورية التي أغلقت على الساعة 11سا 15د.
ثم تم تخصيص 20 دقيقة للمناقشات والتوصيات.
وبعد ذلك طوي كتاب التظاهرة في منتصف النهار!وقد نُظمت فعاليات المؤتمر في 5 جلسات متزامنة، كانت إحداها حضورية، والأربع الأخرى عن بُعد.
في الجلسة الحضورية، أُلقيت 5 مداخلات، مدة كل منها 15 دقيقة.
أما الجلسات الأربع عن بُعد، فكانت مدة كل مداخلة 10 دقائق، وقدم في كل منها 10 مداخلات.
ومن اللافت أن جميع المداخلات قدّمت باسم باحثيْن معًا، باستثناء 8 مداخلات قدمها باحث واحد.
وخلُصت الفعاليات إلى حصيلة مشاركة مثيرة: 45 مداخلة، نفّذها 80 (ثمانون) مشاركًا، وردت أسماؤهم جميعًا في برنامج المداخلات… أي أن المنظمين لهذا الملتقى الذي دامت جلساته العلمية نحو ساعة ونصف الساعة، مطالبون بـ”صناعة” 80 شهادة مشاركة.
والأدهى أن كل رئيس من رؤساء الجلسات الخمس كان اسمه مدرجًا ضمن المتدخلين بورقة بحثية في الجلسة ذاتها التي يترأسها! وهذا ما لم نره قط في مشوارنا الجامعي.
وقبل أن نختم الكلام عن هذا النموذج من الملتقيات نشير إلى أن ما يلفت الانتباه أيضا في عناوين المداخلات هو تكرار مفاهيم المشاركة المجتمعية، والديمقراطية التشاركية، وصنع القرار المحلي، والإعلام الرقمي، والتنمية المحلية، والمجتمع المدني بصورة لافتة.
ولا يعني ذلك أن هذه المواضيع غير مهمة، بل إن أهميتها لا جدال فيها، لكن كثرة العناوين المتشابهة هنا تثير التساؤل حول القيمة المضافة لكل مداخلة: هل نحن أمام بحوث مستقلة فعلا أم أمام إعادة تدوير للأفكار نفسها في قوالب مختلفة؟إن هذا النمط من الملتقيات العبثية لا يسيء إلى منظميه فحسب، بل يسيء إلى المؤسسة الجامعية التي تقف وراءه، وإلى المشاركين الذين يقبلون اختزال أبحاثهم في دقائق معدودة بلا نقاش ولا فائدة علمية تُذكر.
ومن ثم فإن التصفيق الذي يتبع هذه المداخلات ليس اعترافًا بإنجاز علمي، بل تحية ساخرة لمشهد أكاديمي زائف يُحوِّل الملتقيات إلى مجرد “خط إنتاج” سريع لشهادات المشاركة.
من جهة أخرى، فإن هذه الممارسات في تنظيم مثل هذه التظاهرات “العلمية” من شأنها أن تكرّس ثقافة الكم على حساب الكيف، ويبعث برسالة سلبية إلى الباحثين الشباب وطلبة الدكتوراه مفادها أن الحضور الشكلي أهم من الحوار العلمي الجاد.
ومن ثمّ، فإن الدفاع عن مصداقية الجامعة يقتضي إعادة النظر جذريا في تنظيم مثل هذه التظاهرات، ووضع معايير تضمن الزمن الكافي للنقاش، والانتقاء العلمي الحقيقي، حتى تستعيد الملتقيات وظيفتها الأصلية بوصفها فضاءات للتعارف وتبادل الأفكار، لا مصانع لإنتاج شهادات المشاركة موجهة للترقيات.
ومع ذلك فإن الحل لا يكمن في إلغاء الملتقيات العلمية.
فالمؤتمرات والملتقيات الجادة كانت ولا تزال أحد أهم محركات التقدم العلمي في العالم.
وإنما يكمن الحل في إصلاح المنظومة التي أفرزت هذا السلوك: فهل من المنطقي مثلا أن تُحتسب المشاركة في الملتقى ضمن الترقية ما لم تؤدي إلى نشر فعلي لبحث كامل خضع للتحكيم العلمي؟ ولماذا لا تلزم الوصاية منظمي الملتقيات بحد أقصى من المشاركين حسب المدة المخصصة للملتقى؟ ولماذا لا تلزمهم بتخصيص مساحة أكبر للنقاش العلمي؟ ولماذا لا نشجع أشكالا بديلة من النشاط العلمي، مثل المشاركة في المدارس الصيفية، وورشات البحث، والمشاريع المشتركة بين الجامعات…؟ إلخ.
أما الحل الجذري لهذه المعضلة فإنه يكمن في مراجعة فلسفة الترقية الجامعية وتوظيف أساتذتها ومناقشة أطروحاتها الجامعية.
وما دام النظام يكافئ الشهادة أكثر مما يكافئ الفكر، فسوف تستمر ظاهرة الملتقيات العلمية كمصنع لشهادات المشاركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك