إذا كنت من محبي كرة القدم، ومن أولئك الذين ينتظرون نزول لاعبهم المفضل إلى أرض الملعب كما ينتظرون عودة شخص عزيز، فربما اختبرت ذلك الشعور الغريب بالألفة تجاه إنسان لا يعرفك.
تفرح له حين يسجل وتقلق عليه حين يسقط وتدافع عنه إذا هوجم، وربما تشعر أن خروجه من البطولة خسارة شخصية لا رياضية فقط.
هنا لا يعود التشجيع مجرد متابعة مباراة، بل يتحول إلى علاقة عاطفية غير متكافئة؛ علاقة نشعر فيها بالقرب من شخص لا يبادلنا المعرفة نفسها.
list 1 of 2قبل موقعة المغرب.
عودة نيمار إلى المونديال تصطدم بعقبة جديدةlist 2 of 2بينهم عربيان.
8 مواهب شابة مرشحة لسرقة الأضواء في كأس العالم 2026علاقة قوية.
لكنها من طرف واحدهذا الشعور ليس مجرد مبالغة عاطفية من جمهور كرة القدم، بل ظاهرة معروفة في علم النفس والاتصال باسم" العلاقات شبه الاجتماعية" (Parasocial Relationships)، وهي روابط أحادية الطرف تتكون بين الجمهور وشخصيات عامة مثل لاعب أو ممثل أو مؤثر.
بحسب الطبيب النفسي آدم بورلاند، في مقال بموقع" كليفلاند كلينك"، يمكن للإنسان أن يشعر باتصال حقيقي مع شخص لا يعرفه شخصيا، فقط بسبب التكرار والألفة والانكشاف المستمر على صورته وقصته.
في حالة لاعب كرة القدم، لا يظهر للمشجعين في الملعب فقط، بل يطل عليهم في المؤتمرات الصحفية وعبر حساباته على مواقع التواصل، وفي لقطات البكاء والانكسار بعد الإصابات أو الهزائم، ومقاطع الاحتفال بالانتصار.
هذه الجرعة المتواصلة من الظهور تجعل اللاعب مألوفا جدا في وعي المشجع، كوجه نراه دائما في البيت، حتى لو لم نلتقه مرة واحدة في الواقع.
نعرفه جيدا.
لكنه لا يعرفنافي هذا النوع من العلاقات، لا تبدأ المشاعر القوية بالإعجاب والحب دفعة واحدة، بل تنمو تدريجيا.
مباراة بعد أخرى ولقطة بعد أخرى وحكاية بعد أخرى، إلى أن يصبح اللاعب حاضرا في تفاصيل يومنا.
ننتظر تصريحاته بعد اللقاء، نبحث عن أخباره، نغضب حين يتعرض لهجوم، ونتخيله في مواقف حياتية مختلفة كأنه صديق نعرفه منذ زمن.
في مقال حول مشاعر الإعجاب تجاه الرياضيين، توضح الباحثة مينغي هو لمجلة جامعة تيلبورغ الهولندية أن المشجعين قد يشعرون بأنهم يعرفون الرياضيين معرفة شخصية، لأنهم يتابعون أداءهم وتفاصيل حياتهم وصراعاتهم وانتصاراتهم.
لكن العلاقة تظل من طرف واحد؛ الجمهور يعرف ويشعر ويتخيل، أما اللاعب فلا يعرف مشجعيه فردا فردا ولا يبادلهم هذا القدر من القرب العاطفي.
في البطولات الكبرى مثل كأس العالم، تتضاعف هذه الألفة؛ فاللاعب هنا لا يمثل ناديا فقط بل يحمل قميص بلد كامل، ويتحول في عيون كثيرين إلى تجسيد لمشاعر أعمق: الانتماء والكرامة والوطنية والحلم الجماعي.
اللاعب الذي يركض خلف الكرة بكل طاقته قد يبدو كأنه يركض نيابة عن ملايين يشاهدونه في البيوت والمقاهي والساحات.
من جهة أخرى، تشير دراسة منشورة في مجلة جامعة إيلون الأمريكية لأبحاث الاتصالات إلى أن الرياضيين البارزين لم يعودوا مجرد لاعبين، بل تحولوا إلى علامات شخصية يبنون صورتهم العامة عبر منصاتهم في مواقع التواصل، من خلال مشاركة يومياتهم وتدريباتهم وطعامهم وعلاقاتهم العائلية ولحظات ضعفهم وتحدياتهم اليومية.
هكذا يشعر المتابع أنه يدخل إلى" الكواليس" الخاصة بحياة اللاعب، لا فقط إلى تسعين دقيقة في الملعب.
الوجه الآخر للإعجاب بالمشاهيرفي كثير من الحالات، لا تكون هذه الألفة مشكلة في حد ذاتها.
لاعب كرة القدم قد يصبح بالنسبة للمشجع مصدر إلهام أو رفيقا رمزيا في فترة صعبة أو نموذجا للانضباط وتجاوز الفشل.
في مقال بعنوان" الجوانب الصحية والمقلقة في العلاقات شبه الاجتماعية" على موقع" كليفلاند كلينك"، يشير خبراء إلى أن هذه العلاقات قد تكون صحية حين تمنح الإنسان شعورا بالإلهام أو الونس، ما دامت لا تعطل حياته الواقعية ولا تسيطر على وقته وعلاقاته.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الإعجاب إلى إحساس بحق شخصي في حياة اللاعب وقراراته.
هنا يظهر الوجه الأكثر قسوة لوسائل التواصل الاجتماعي، فالدراسة الصادرة عن جامعة إيلون ترصد كيف يخاطب بعض المتابعين الرياضيين عبر حساباتهم كما لو كانوا يملكون حقا في تقييم أجسادهم واختياراتهم وحياتهم الخاصة وحتى لحظات ضعفهم.
قد يكتب أحدهم تعليقا قاسيا ثم يبرره بأنه" نابع من الحب" أو" من الغضب من أجل الفريق"، بينما يتحول هذا" الحب" في الواقع إلى ضغط نفسي مؤذ قد لا يراه اللاعب إلا على شكل سيل من الرسائل الجارحة بعد مباراة سيئة.
ولا يظهر الوجه الآخر لهذا القرب العاطفي في القسوة فقط، بل في الحزن أيضا.
إصابة لاعب محبوب أو خروجه من البطولة قد تبدو للبعض مجرد تفصيلة في جدول مباريات، لكنها عند مشجعين كثيرين تتحول إلى خيبة شخصية حقيقية.
يفسر خبراء" كليفلاند كلينك" هذا بما يعرف بـ" الحزن شبه الاجتماعي"، حين يتأثر الإنسان بفقدان أو ابتعاد شخصية عامة ارتبط بها عاطفيا، حتى إن لم تكن بينهما علاقة مباشرة.
في المونديال، يتضخم هذا الحزن لأن الخسارة لا تخص اللاعب وحده، بل تمس صورة الوطن وتهز الحكاية التي بنيناها حوله: حلم منتخب أو" جيل أخير" من النجوم أو قائد كنا ننتظر له نهاية سعيدة استثمرنا فيها الكثير من المشاعر والمتابعة.
لا يعني كل ما سبق أن نحب لاعبي كرة القدم بدرجة أقل، بل أن نحبهم بوعي أكبر.
التعلق بلاعب أو فريق قد يمنح المشجع شعورا بالانتماء، ويخلق مساحة اجتماعية يتشارك فيها الناس الفرح والخيبة والذكريات، وقد يدعم الصحة النفسية حين يبقى ضمن حدود معقولة.
عالم النفس الرياضي دانيال وان، في حديث مع الجمعية الأمريكية لعلم النفس عن سيكولوجيا مشجعي الرياضة، يرى أن الانتماء الرياضي قد يكون جزءا مهما من حياة الناس الاجتماعية والنفسية، لأنه يوفر لهم هوية جماعية وأرضية مشتركة للحديث والتواصل.
لكن هذا الانتماء يصبح صحيا حين يبقى داخل حدوده: أن نفرح للاعب ونحزن عليه دون أن نسعى لامتلاكه، وأن ننتقد أداءه دون أن نجرح إنسانيته، وأن نتذكر أن علاقاتنا الواقعية لا ينبغي أن تستبدل بعلاقة من طرف واحد.
ووفقا لأطباء" كليفلاند كلينك"، تصبح العلاقات شبه الاجتماعية مقلقة حين تطغى على حياة الشخص أو تعوض نقصا عاطفيا عميقا، بدلا من أن تبقى مصدرا عابرا للإلهام أو الونس.
في التشجيع، ربما تكون القاعدة البسيطة هي: أحب اللعبة ونجومها كما تشاء، لكن لا تنس أبدا أن اللاعب في النهاية إنسان، لا رمز كامل، وأن المشجع أيضا إنسان له حياة لا ينبغي أن تُختزل في مصير لاعب لا يعرفه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك