نحن عادة لا نسكن في العالم المجرد كما هو، وإنما في صورتنا المتخيلة عن هذا العالم، أو في فكرتنا الذاتية عن الواقع.
الإنسان يسكن في الذكرى والرغبة والشعور، في الحلم والطموح والإرادة، وبكل ما يمكن أن يتدفق من جوهر الحياة اللامرئية التي تخلق أفكارنا وزمننا النفسي الداخلي.
هذا هو الإنسان، إنه الكائن الوحيد الذي يخلق رموزه وأساطيره الشخصية، لتصبح على مرّ تاريخه حقائق مهدئة أو ما يمكن احتماله للتعافي من قسوة الحياة وعبث اللاجدوى.
ويبدأ الإنسان سؤاله الوجودي عندما تنهار أمامه جميع المسلمات واليقينيات، ويعي أنه لم يكن سوى أسير لقصته الخاصة المنفصلة عن حقيقة وجوهر الأشياء.
ولا يبدأ البحث عن المعنى إلا عندما يعي الإنسان وجوده الأصيل، ذلك الوجود الذي تكشفه له طاقة العدم عند اقترابه من الموت.
فالإنسان على حد تعبير مارتن هيدغر يولد ناضجا للموت، ويكون متجها نحوه منذ لحظته الأولى في الحياة، وهذه الكينونة تكون محددة كحضور من قبل الزمن، لذلك فالذات التي تعي كينونتها توجد وجودا ماهويا، تتميز بالوقوف المنفتح في اكتشاف الوجود، وفي الأشياء التي تتبدى للإنسان في خبراته وأحواله الشعورية المختلفة.
وتبدأ أصالة الكينونة بالتحولات الجذرية عندما تجد نفسها داخل العدم، لذلك فهي تعبر عن طبيعة قلقة باستمرار ورغبة في تحقيق وجودها داخل زمانها الخاص.
والكينونة الأصلية تكون منفصلة عن آراء القطيع، والأحكام العامة السائدة، وعن التفاهة والثرثرة في الحياة اليومية، كينونة تنشغل بالأسئلة المصيرية الكبرى، وبجوهر الوجود والإنسان والزمن والموت، والقلق يتبدى في أوضح صوره عندما يضيء العدم ليل الإنسان، فتدرك الذات إنها فانية، وأنها حقيقة واقعة كغيرها من الحقائق، وإنها جزء من اهتمام زائل.
وعندما تتحلل كينونة الإنسان وتتمزق بالآلام والصدمات فإنها تبدأ بطرح أهم وأعمق سؤال وفقا لهايدغر: «لماذا كان ثمة وجود، ولم يكن عدما؟ ».
بالآلام تعلو الذات على تكويتها المادي وعلى العالم، وتبلغ حريتها وجوهرها الميتافيزيقي.
فالألم لا يشكل دائما انحدارا في الكينونة، وإنما في أغلب الأحيان هو صعود خفي في طبقات الوعي، ولحظة انكشاف مفاجئ للإنسان على سره القديم، سر الحياة والموت والله.
شجرة الحياة: قصيدة بصرية عن الله والموت والطفولة في فيلم the tree of lifeيعتمد الفيلم برمته على الحياة الداخلية للإنسان، منطلقا من الوجود الأصيل الذي يحفزه الاغتراب الحضاري والمقاومة الروحية لطغيان العالم المادي وعبودية الآلة.
فالأخ الأكبر جاك الذي يوجد في إحدى المدن الصناعية والتكنولوجية الكبرى، ويعمل في إحدى الشركات، يبدأ بتذكر أحداث حياته السابقة في القرية أثناء طفولته مع أخويه وأمه ووالده الصارم.
فتبدأ أحداث الفيلم من مشاهد الـbackground وتحديدا عند استلام الأم برقية تخبرها بموت ابنها آرال ذي التسعة عشر عاما دون أن يحدد لنا المخرج تيريس ماليك سبب الوفاة، هل هو حادثة أم انتحار، أم بسبب مرض ما، إلا أنه يركز أكثر على آثار الفقد والصدمة والألم، ومن بعدها تبدأ الحياة الباطنية، حياة الذكرى والحلم بالتدفق في أعماق جاك الكبير، وصراعه بين طريق الطبيعة الذي يمثله الأب من خلال القوة، والصراع، والسلطة، فالأب هنا يريد أن يجعل أبناءه أقوياء لأن العالم وحشي، والطريق الآخر في الصراع هو طريق النعمة الذي تمثله الأم بالتسامح والحب والرحمة، فالأم هنا تبدو ككائن ملائكي لا يحاول الانتصار على العالم، وإنما التسليم له والعبور فيه بسلام ومحبة لا مشروطةBook Gardenيرمز الأب إلى قسوة العالم المادي الذي يفرض على الإنسان وهم التفوق بالقوة، وخلق الرغبات الزائفة، والنماذج النمطية للنجاح والكمال، وتمثل الأم المحبة والإيمان الأعمى المستند إلى اليقين والمسلمات المسبقة، فالفيلم ليس قصة لها بداية ونهاية وتوتر درامي، وإنما منولوج داخلي وأسئلة وجودية عميقة، تمثلها تجربة الإنسان نفسه داخل الطفل جاك في انفتاحه العنيف على الوجود، من خلال الدهشة واكتشاف الشر، والغيرة، والذنب، والرغبة في التمرد، والسؤال عن الله إضافة إلى الخوف من الموت، فهذه الأشياء لا تعرض في الفيلم كأحداث ووقائع حية، وإنما كوعي داخلي، وحياة فكرية صامتة، فالماضي والحاضر والكون والطفولة والموت، كلها تتداخل في زمن دائري حي في أعماق الإنسان.
لذلك لا يعتمد الفيلم على السرد التقليدي، بل على التدفق الشعوري المستمر، وعلى الذكريات المتشظية والهمسات الداخلية، فالشخصيات لا تشرح نفسها بشكل واضح ومباشر، بل تذهب بعيدا إلى ما وراء الكلام وتحول العالم إلى مجموعة من الإشارات والرموز، بالصمت والنظرات الغامضة، بالريح التي تمر، وبحركة الضوء على الجدران، وكأن الفيلم يريد أن يصور ما لا تستطيع اللغة أن تقوله أو تعبر عنه.
عند وفاة الابن يحدث هنا ما يسمى بالانفصال عن العالم، وصدمة في الوعي عند الأم والأب، فالأم تبدأ طريق الحكمة والبحث عن الله، من خلال الشك والسؤال والمناجاة، والأب يبدأ بمراجعة عنيفة وقاسية للذات والأفكار عندما تجرح قوته وكبرياؤه ويسقط عنه وهم الإيغو المكون لهويته.
يمكن ربط هذا المشهد مباشرة بما يسميه الفيلسوف وعالم النفس الألماني كارل ياسبرس «بالمواقف الحدية، وهي المواقف التي يمر فيها الإنسان بأقصى درجات التحطيم والانهيار، ويعاني أشد أنواع المعاناة، والمواقف الحدية عند ياسبرس هي حالة من الحرية تنتقل بها الكينونة إلى حالة من التعالي والاتصال مع المطلق.
إن الموقف الحدي يجبر الوعي على الخروج من منطقه اليومي، ويكسر وهم الطمأنينة والمعنى الجاهز.
فالعقل الذي كان يظن أنه قادر على تفسير الحياة، يكتشف فجأة أنه عاجز أمام ما لا يمكن تفسيره وفهمه بالمنطق والعقلانية الصارمة، وهنا يبدأ التفلسف الحقيقي من الصدمة، وليس من المعرفة.
وهذا التفلسف كما يرى ياسبرس هو فعل نجاة داخلي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالوجود نفسه.
أما الشخصيات في الفيلم فهي لا تفهم الله بقدر ما تبحث عنه بشكل دائم وسط الألم والموت، لكن الله يغيب دائما كحضور يقيني، ويظهر بشكل غياب مقلق وصامت عن كل الفواجع والمآسي.
ولذلك يصبح الفيلم مسرحا بصريا وحياتيا للفلسفة الوجودية ومفاهيمها التي ترى أن الإنسان مقذوف بشكل عشوائي في الوجود، وملقى داخل عالم غامض يبحث فيه عن المعنى، من دون أن يمتلك أي يقين أو ضمانة مطلقة.
إن المشاهد التي تعود بنا في الفيلم إلى نشأة الكون والأرض، وفكرة التطور من الكائنات الحياة الدقيقة إلى الحيوانات والبشر تجعلنا نفهم الألم كجزء من تكوين الطبيعة والإنسان، فالألم الفردي مرتبط بتاريخ الكون كله، فموت طفل ليس مجرد حادثة صغيرة، وإنما رجفة داخل الوجود نفسه.
لأن الكائن البشري ليس منفصلا عن الكون، فمهما بدا الإنسان صغيرا أمام عظمة المجرات والنجوم، لكنه يبقى يحمل في داخله قلق الكون وقلبه النابض.
عندما يصل الفيلم إلى مشهد الشاطئ الأخير نشعر وكأن الآلام والذكريات والقلق قد تحولت جميعها إلى لحظة مصالحة مع الحياة والموت.
وكفّ الزمن عن امتداده الخطي والكرنولوجي، لتصبح الحياة عبارة عن لوحة تأملية في ما وراء العالم، ومسيرة روحية تستحق أن تختبر وتعاش.
بدأ تيريس ماليك مسيرته المهنية كأكاديمي ومتخصص في الفلسفة، قبل أن يتجه إلى عالم السينما، وقد قام بترجمة كتاب «جوهر الأسباب» للفيلسوف الألماني مارتن هيدغر إلى اللغة الإنكليزية.
وقد انعكست فلسفة هيدغر على الكثير من أفلامه بواسطة مجموعة من المفاهيم التي انتقلت من الحقل الفلسفي إلى الفضاء البصري المتحرك مثل: الكينونة في العالم اكتشاف الوجود، الطبيعة ككيان مستقل، والقلق الوجودي والميتافيزيقي من مواجهة الموت.
يضعنا ماليك في فيلم «شجرة الحياة» أمام تجربة مختلفة تلقي بنا إلى تخوم الإيمان، وإلى بواعث الحدس الذي يمنحنا الشعور، بأن الحياة رغم هشاشتها ومجاهيلها المرعبة، إلا أنها ما تزال تحمل في أعماقها شيئا مقدسا لا يمكن تفسيره.
فالموت ليس مجرد نهاية بيولوجية على هذه الأرض، إنه تلك القوة الخفية التي تمنح الحياة شكلها وكثافتها، والبشر لا يتعلقون بالأشياء إلا لأنها مهددة بالزوال داخل أفق الغياب والفقدان.
ومن هنا فإن الهشاشة ليست خللا في وجودنا، بل الشرط البشري الذي يجعل المعنى فاعلا وممكنا.
لأن الإنسان يتسم في صميم ذاته بالنقص والانعدام، وهذا النقص هو جوهر العدم الذي يستنهض الإرادة البشرية ويدفعها بشكل مستمر إلى ذروة الخلق والإبداع.
الفيلم في جوهره عبارة عن رحلة تطهيرية من شوائب العالم وأوهامه، وهو أقرب إلى قصيدة ميتافيزيقية طويلة عن الإنسان، والزمن، والله، والموت والطفولة.
قصيدة تجعل من الكاميرا روحا هائمة تبحث عن الحقيقة، وتحول الألم إلى اختبار جمالي وروحي يفجر معه جرح الوجود بأعنف صور السؤال وأكثرها هدوءا في الوقت نفسه: لماذا يتألم الأبرياء؟ ولماذا يبدو الكون أحيانا جميلا حد القداسة، وقاسيا إلى حد العبث؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك