أثارت صحيفة ذا غارديان البريطانية الجدل بنشر قائمتها، قبل أيام، حول" أفضل مئة رواية في التاريخ وفقاً لاختيارات القراء"، والتي أطاحت نخبوية المؤلفين والنقاد؛ إذ توّج القرّاء ثلاثية" سيد الخواتم" لجيه آر.
آر.
تولكين على عرش الرواية العالمية، كاشفين عن ذائقة شعبية تميل إلى الجموح والمغامرة.
غير أن قرّاء" ذا غارديان" سقطوا بدورهم في فخ المركزية الغربية، فبينما كانوا يفاضلون بين الأعمال الرائدة عبر الزمان والمكان، غاب عنهم سحر الشرق، فجاءت النتائج لتعكس تمثيلاً محدوداً للأدبين الإفريقي والآسيوي، فضلاً عن خلوّ القائمة تماماً من أي أثر عربي؛ لتتجسد مجدداً محنة الكاتب العربي الذي لا يزال، في عصر العولمة، رهين المحبسين؛ اللغة والجغرافيا.
هل نجلد ذواتنا عبثاً لغياب الأدب العربي عن العالمية، أم إن الحقيقة تكمن في مكان آخر؟ الواقع أننا أمام حصار ثلاثي الأبعاد؛ يبدأ من الاستشراق الثقافي الذي لا يترجم للكاتب العربي إلا إذا ارتدى مسوح" المُخبر السوسيولوجي" ليقدم قصص الحروب والاضطهاد وقهر المرأة، ويمر بمطبخ ترجمة بائس ومثير للضحك، تحكمه العشوائية في الاختيار، ويعتمد على مبادرات فردية شحيحة مقارنة بالدعم الحكومي السخي الذي تلقاه آداب كالكورية واليابانية، لينتهي بعجز تسويقي أهمل ترويج قاماتنا، من طه حسين والطيب صالح إلى غسان كنفاني ورضوى عاشور وإبراهيم الكوني، داخل صناعة نشر بدائية تفتقر للوكلاء الأدبيين.
ليدفع الأدب العربي الثمن وحيداً بين نمطية غربية، وعجز تسويقي عربي، وفجوة حادة في مواكبة الذائقة العالمية.
حين نتأمل الجغرافيا الشاسعة للأصوات المشاركة في استفتاء" ذا غارديان" حول الروايات المفضلة، والتي امتدت لتشمل مزارعي هاواي، وعازفي كمان كارديف، وصولاً إلى قرّاء باريس وسيدني، ندرك أن تصويت أكثر من ثلاثة آلاف قارئ كان أشبه بمسحٍ جيولوجي لسيكولوجية الإنسان المعاصر.
لقد انحاز الإنسان للعوالم البديلة؛ وليس أدل على ذلك من تربّع ملحمة" سيد الخواتم" لتولكين على رأس القائمة، في مفارقة لغيابها التام عن قائمة النقاد الرسمية.
ولم يكن تولكين وحيداً في هذا الهروب الجماعي، هناك روايات أخرى زاحمته، مثل ملحمة" أغنية الجليد والنار" لجورج ر.
ر.
مارتن، وسلسلة" مواده المظلمة" لفيليب بولمان، والتي عكست رغبة جارفة في الانفصال عن الواقع.
تأثّرٌ بمنظومات الترجمة والتسويق أكثر من القيمة الأدبيةولعلّ اللجوء إلى العوالم البديلة يقول الكثير عن سيكولوجية الخوف والقلق التي يعانيها الإنسان المعاصر؛ وهو ما ظهر بوضوح في ترشيح روايات تفكك انهيار المجتمعات، وقسوة الحروب، والأنظمة الشمولية، مثل" عالم جديد شجاع" لألدوس هكسلي، و" مزرعة الحيوانات" و" 1984" لجورج أورويل، ووصولاً إلى الديستوبيا الحديثة في" حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود.
لم يتوقف الشغف عند حدود العوالم المتخيلة والفانتازيا، بل امتد إلى ترشيح روايات أحدثت انقلاباً جذرياً في شكل الرواية الحديثة مثل" البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، التي أعادت صياغة مفهوم الذاكرة، واقتنصت من الزمن سيولته وهو ينفلت من بين الأصابع.
ورغم صعوبة قراءتها وطولها المفرط، تقول ماري، محامية متقاعدة من ولاية كاليفورنيا الأميركية: " تضم البحث عن الزمن المفقود جوانب عديدة إلى حد أنك تستطيع دائماً أن تجد فيها شيئاً جديداً تستمتع به.
فالرسم والموسيقى والسياسة وعلم النفس والجنس والحب والطبيعة البشرية، كلها موضوعات يستكشفها المؤلف.
ولو وجدت نفسي عالقة في جزيرة نائية، فسيكون هذا هو الكتاب الذي أرغب في أن يكون معي".
ضمت القائمة أيضاً أعمالاً شكّلت منعطفات حاسمة في تاريخ التجريب الروائي خلال القرن العشرين، مثل" عوليس" لجيمس جويس، و" السيدة دالواي" لفرجينيا وولف، و" أبشالوم، أبشالوم" لويليام فوكنر؛ وهي روايات دفعت حدود اللغة والسرد إلى آفاق غير مسبوقة، وكشفت إمكانات جديدة للفن الروائي لم يكن يُظن بوجودها من قبل.
وكان طبيعي أن يستدعي القرّاء المفتونون بهذا الإرث التجديدي جذوره الأولى، ممثلة في" دون كيخوته" لثربانتس، و" حياة وآراء تريسترام شاندي" للورنس ستيرن؛ وهما عملان مهّدا مبكراً لروح التمرد على الأشكال السردية التقليدية، وأسّسا لقدر كبير من المغامرة الفنية التي ستبلغ ذروتها في الرواية الحديثة.
كشفت قائمة" أفضل 100 رواية في التاريخ" أيضاً عن انحياز عام لأسماء شكّلت أعمدة الرواية، حيث تكرّر حضور عدد من الكتّاب بأكثر من عمل منهم تشارلز ديكنز الذي استحوذ على نصيب الأسد من قائمة القراء بروائعه: " التوقعات العظيمة"، و" ديفيد كوبرفيلد"، و" قصة مدينتين"، و" منزل كئيب".
بالمثل، ما تزال جين أوستن تفرض سطوتها عبر الزمن من خلال" كبرياء وهوى"، و" إيما"، و" إقناع".
ولحق بهما روائيون حجزوا لأنفسهم أكثر من موقع في وعي القراء عبر ثنائيات وثلاثيات روائية خالدة؛ إذ حضر الروائي الروسي ليو تولستوي بملحمتيه" الحرب والسلام" و" آنا كارنينا"، وشارك ديستويفسكي بروايتيه" الإخوة كارامازوف" و" الجريمة والعقاب"، اللتين لا تزالان تمثلان ذروة الرواية النفسية والفلسفية في الأدب العالمي.
النوستالجيا ومحنة الكاتب العربيبالتمعّن أكثر في شهادات المصوّتين المرفقة باختياراتهم، يتبين لنا أن هذه القائمة لم تُبنَ على معايير نقدية بقدر ما صاغتها النوستالجيا وعاطفة الانتماء إلى الروايات التي أسهمت في تشكيل وعي القرّاء خلال المراهقة وبواكير الشباب.
لم تتغذَّ هذه الألفة الجماهيرية على قوة النصوص وحدها، بل دعمتها أيضاً الاقتباسات السينمائية والتلفزيونية المتكررة، كما حدث مع" قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز و" مرتفعات وذرينغ" لإميلي برونتي، حتى غدت هذه الأعمال جزءاً من الذاكرة الثقافية الغربية والتكوين النفسي لأجيال متعاقبة من القرّاء.
ومن ثمّ، لم تُمنح صفة" الأفضل" إلا لأنها الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياة جمهورها.
وهنا تتفجر أسئلة مشروعة: ماذا لو كان هذا الاستفتاء عالمياً بحقّ؟ ماذا لو شارك فيه قرّاء من دوائر لغوية وثقافية مغايرة؟ هل كنّا سنحظى بقائمة مطعّمة بآداب أخرى بدلاً من تكريس المركزية الغربية؟غياب الأدب العربي يمثل محدودية خيارات القارئ الغربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك