مع انطلاق موسم كأس العالم 2026، يعيش اللبنانيون حالة تبدو، للوهلة الأولى، شديدة التناقض، لكنها في الحقيقة تعكس جانباً عميقاً من طبيعة اللبناني، الجنوبي خاصةً، وقدرته المذهلة على التمسّك بالحياة حتى في أحلك الظروف.
فمن جهة، يتابع اللبنانيون المثقلون بتبعات أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، شأنهم شأن مليارات البشر حول العالم، أخبار كرة القدم ونتائج المباريات ويتجادلون حول المنتخبات المرشحة للفوز والنجوم العالميين الطامحين لصناعة أمجاد بلادهم.
ومن جهة أخرى، يجدون أنفسهم يتجرّعون كأساً مُرّة مليئة بالخوف والقلق والدمار والتهجير، فرضها العدوان المستجد بعد سلسلة صراعات لم تغادر المنطقة منذ عقود.
قد يبدو المشهد غريباً حيث شاشات صغيرة وكبيرة وعملاقة تنقل ألعاباً وأهدافاً مستحقة فيما النفوس عالقة بذكرياتها وآمالها عند خط دفاع أخير في قرى الجنوب وبلداته التي أثخنتها الجراح، وسط دردشات عن خطط اللعب وتكتيكاته تتقاطع مع أحاديث عن النازحين وإعادة الإعمار والخسائر البشرية والمادية وهدنة لا تزال في علم غيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورفاقه وخصومه، أو أعدائه.
لكن هذا التناقض الظاهري يكشف في الواقع عن حقيقة أعمق مفادها أن الشعوب لا تستطيع العيش على الخوف وحده، كما أنها لا تؤجل أحلامها ريثما تنتهي أزمات تبدو وكأنها بلا نهاية.
لطالما كانت كرة القدم أكثر من مجرّد لعبة.
فهي مناسبة جماعية تمنح الناس شعوراً بالفرح المشترك.
وفي بلد مثل لبنان، أنهكته الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تبدو كرة القدم نافذة صغيرة يطل منها الناس على عالم مختلف تُحسم فيه النتائج خلال 90 دقيقة وفق قواعد واضحة، وينال فيه الفائز مكافأته والخاسر فرصة جديدة للمحاولة، في حين تبدو كأس الحرب المفروضة نقيضاً كاملاً.
ففي المستطيل الأخضر، يتنافس اللاعبون وفق قوانين متفق عليها، أما في الحروب، فالقوانين الدولية ومصالح الناس غالباً ما تكون أوّل الضحايا، والخاسر الحقيقي ليس فريقاً يعود إلى غرف الملابس بعد المباراة، بل عائلات تفقد أحبابها ومنازلها ومصادر أرزاقها.
وفي" الفوتبول"، يحتفل الجمهور بانتهاء المباراة، بينما في العدوان الإسرائيلي المستمر بلا هوادة لا أحد يعرف متى تنتهي المأساة فعلاً وبأي ثمن.
تكمن المأساة الحقيقية في أن اللبنانيين الغارقين في أزمة اقتصادية أفقرت معظمهم وجعلت المستقبل أكثر غموضاً لا يطلبون المستحيل.
فهم لا يطمحون إلى أكثر من أن تصبح الكأس التي تشغلهم هي كأس الرياضة لا كأس الحربالمفارقة أن لبنان بات معتاداً، أكثر من غيره، ربما، على العيش بين التناقضات.
فمنذ عقود، يتنقل اللبنانيون بين نشرات الأخبار العاجلة ونشرات الرياضة، وبين صور الدمار ومشاهد الاحتفالات، كما بين القلق على المستقبل والرغبة في اقتناص لحظة فرح غالباً ما تكون عابرة.
لكن للإنصاف، ينبغي عدم النظر إلى هذا السلوك بوصفه نوعاً من اللامبالاة أو الهروب من الواقع.
بل على العكس، يمكن اعتباره شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية.
وربما تكمن المأساة الحقيقية في أن اللبنانيين الغارقين في أزمة اقتصادية أفقرت معظمهم وجعلت المستقبل أكثر غموضاً لا يطلبون المستحيل.
فهم لا يطمحون إلى أكثر من أن تصبح الكأس التي تشغلهم هي كأس الرياضة لا كأس الحرب، وأن يكون التنافس محصوراً بالملاعب لا بالميادين العسكرية، وأن تُقاس الانتصارات بعدد الأهداف لا بعدد الشهداء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك