تعود لعبة كرة القدم لتزيّن ملاعب الولايات المتحدة بعد أكثر من 30 عاماً، يوم استضافت بلاد العم سام الحدث في 1994، يومها كان العالم برمّته مختلفاً، فقد تبدّلت أجيال اللاعبين، من الإيطالي روبرتو باجيو ولقطته الشهيرة في النهائي أمام البرازيل، مروراً بروماريو، وقضية الراحل الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا المتعلقة بالمنشطات مروراً بالعديد من الأسماء الأخرى، لكن حديثنا اليوم لن يكون عن تفاصيل تلك المباريات أو تاريخ الحدث الأهم على سطح الكرة الأرضية، بل سيتعداه للمقارنة بين الماضي والحاضر والتغيّرات التي طرأت على الحياة اليومية وكذلك النهائيات بحدّ ذاتها، وكأنّها تُلعب في زمنٍ آخر.
لا تذاكر ورقية في الولايات المتحدةيوم احتضنت الولايات المتحدة بطولة كأس العالم 1994، كانت الوفود القادمة إلى المدن الأميركية تعتمد على التذاكر الورقية والخرائط المطبوعة من" راند ماكنالي" للوصول إلى الملاعب وزيارة الأماكن السياحية مع سؤال المارة على الطريق حتى لو لم يكن بعضهم يجيد تحدّث اللغة الإنكليزية، لكن في 2026 صار الوضع مختلفاً كلياً، فالتذاكر باتت رقمية ومشفّرة بـNFT لمنع التزوير، مع استعمال التطبيقات الذكية، من GPS إلى استعمال تقنيات الواقع المعزز AR داخل أرض الملاعب لإيجاد مقعده وطلب الطعام عبر تطبيقات الهاتف، مع توفّر خدمة الإنترنت فائقة السرعة التي يُمكنه من خلالها الاتصال بعائلته وأصدقائه للتفاعل معه حتى لو كانوا في أبعد مكانٍ عن موقع الحدث، وهو أمرٌ بطبيعة الحال كان مستحيلاً في نسخة 1994.
من" الكاش" إلى الدفع الإلكترونيفي تسعينيات القرن الماضي كانت النقود الورقية الوسيلة الأساسية للتعاملات ولشراء أي منتج خلال رحلة المشجع إلى كأس العالم، ولذلك كان الجميع يعمد إلى حمل عملة الدولار الأميركي للحصول على الطعام وشراء التذاكر التي سيعود بها إلى موطنه، لكن في 2026 باتت معظم المحال والملاعب الأميركية شبه خالية من" الكاش"، والدفع بات عبر الهواتف الذكية من خلال استخدام بصمة الوجه أو البطاقات المصرفية.
صحيحٌ أن بعض مباريات مونديال 1994 شهدت ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة على غرار النهائي بين البرازيل وإيطاليا وحتى ألمانيا وكوريا في دالاس مع الاكتفاء بوضع مراوح لترطيب اللاعبين، إلا أنّها لم تكن كافية لحمايتهم مع المشجعين.
لكن في 2026، يبدو الوضع مختلفاً بشكلٍ كلي، بعدما بات ملف التغير المناخي جزءاً من التخطيط للبطولة، سواء في اختيار الملاعب المغلقة والمكيفة أو المدن، حيث فرض الاتحاد الدولي للعبة على سبيل المثال ملاعب مكيفة بالكامل مثل دالاس وهيوستن وأتلانتا لحماية الحاضرين من الإجهاد الحراري القاتل، وطلب خفض الانبعاثات الكربونية، رغم أنّ هذه النسخة ستسجل أعلى مستوى من التلوث وفقاً للتقارير البيئية الصادرة، بينما تبقى مشكلة هطل الأمطار والصواعق في أثناء العواصف من أبرز المخاوف التي تثير القلق.
من رياضة هامشية إلى لعبة منتظرةيوم نالت الولايات المتحدة شرف استضافة مونديال 1994، كانت كرة القدم التقليدية في البلاد بعيدة عن اهتمامات أبناء بلاد" العم سام"، حيث كانت معظم شرائح المجتمع منكبة على متابعة كرة القدم الأميركية والسلة والبيسبول.
لكن اليوم، وبعد استثمارات عديدة في اللعبة الشعبية الأولى هناك، تغيّر الحال نسبياً من خلال وجود دوري متطور وجاذب للاستثمارات وحتى النجوم، وعلى رأسهم النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي وأسماء أخرى نشطت هناك لسنوات، وساهمت في ترويج الحدث، حتى بات العديد من المباريات يحظى بمتابعة كبيرة من أرض الملعب، لتصبح ثقافة كرة القدم التقليدية حاضرة في المدن الأميركية أكثر من ذي قبل.
يفضل العديد من المشجعين متابعة المباريات ضمن مجموعات للاستمتاع بالمباراة أكثر، إن كان في المنزل مع العائلة أو في المقاهي مع الأصدقاء، وهذا ما كان يحصل بالفعل في 1994، حيث كان بعضهم يعمد إلى استخدام بطاريات السيارات في حال انقطاع الكهرباء في بعض البلدان.
لكن في 2026 أصبح الأمر مغايراً تماماً، إذ يُمكن لأي مشجع مشاهدة أي لقاء من هاتفه المحمول في سريره ووحده، من خلال الاشتراك في إحدى الباقات التي توفّرها الشركات الناقلة مع الحصول على تحليلات مباشرة من دون الانتظار لأيام لقراءة التفاصيل، خصوصاً مع انتشار الكثير من المنصات الرقمية المتخصصة بالإحصاءات والأرقام.
فعلى سبيل المثال، طرحت في السوق اللبنانية أخيراً إحدى الشركات هاتفاً يُمكن لمن يشتريه الحصول على اشتراك مجاني بخدمة المونديال.
الحواجز إلى جانب المراقبة الذكيةستكون الحواجز الأمنية التقليدية وعناصر الشرطة الميدانية من أبرز الأمور المتشابهة بين نسخة 1994 و2026، لكن الفارق بينهما دخول التطور التكنولوجي إلى أنظمة المراقبة من خلال كاميرات ذكية وقدرة على التعرّف إلى الوجوه في الشوارع وحتى عند مداخل الملاعب، ونقل كلّ بيانات الحاضرين إلى شاشات رجال الأمن، إضافة إلى ظهور الطائرات المسيّرة التي يُمكنها تغطية مساحات كبيرة تحسباً لأي عمل خارج على القانون.
من الصحافة التقليدية إلى المحتوى الفوريقبل ثلاثة عقودٍ تقريباً كان الصحافي الناقل الوحيد لما سيحصل بعد نهاية البث المباشر، وهو ما فرض واقعاً يعطي القنوات التلفزيونية الحق الكامل في التحكم في تدفق المعلومات للمشاهدين ومحبي كرة القدم، خصوصاً أن الصحافة الورقية كانت رائدة في تلك الحقبة إلى جانب الراديو والتلفزيون.
لكن في 2026، باتت مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على نقل الصورة من المدرجات عبر الحاضرين هناك، حتى إن المشجعين في الكثير من الحالات يُمكنهم التقاط مشاهد قد تغيب عن الصحافيين الذين لا يقدرون بطبيعة الحال على تصوير كلّ شاردة وواردة.
من عالم يشعر بالتفاؤل إلى واقعٍ ضبابيتزامن كأس العالم 1994 مع فترة كانت توصف عملياً بأنّها ذات طابع سياسي إيجابي واقتصادي، بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب الباردة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.
لكن مونديال 2026 يُقام وسط ضغوط هائلة بعد السياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتهديد العديد من الدول في المنطقة، إضافة إلى المطالبة بالاستحواذ على غرينلاند، الأمر الذي لاقى امتعاضاً ورفضاً كاملاً من أوروبا، وصولاً إلى إشعال حربٍ في منطقة الشرق الأوسط بعد الضربات التي وجهتها واشنطن مع إسرائيل إلى إيران، وردّ طهران بإغلاق مضيق هرمز، ما ساهم في رفع سعر برميل النفط إلى أرقام قياسية وأثّر بشكلٍ واضح في الاقتصاد العالمي سلباً.
عدد المنتخبات والتطور في الملاعبشارك في مونديال التسعينيات 24 منتخباً، بينما وصل العدد في 2026 إلى 48 لأول مرة في التاريخ، وكان التحكيم واحداً من أكثر الأمور المثيرة للجدل، لكن اليوم تغيّر الأمر مع دخول تقنية فيديو الحكم المساعد" فار" وعين الصقر التي تكشف تجاوز الكرة من عدمه خطّ المرمى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك