لو صح ما يشاع من أخبار عن توقيع اتفاق بين أمريكا وإيران، فهذا قد يعيد ترتيب جذور الشرق الأوسط، وسوف يضع العرب في موقف لا يحسدون عليه.
لأنهم إذا صدقوا مع أنفسهم، سيتأكدون أن لا يمكنهم من الآن فصاعدا الاعتماد على تحالفات دائمة ومقدسة وبلا نهاية.
الواقعية السياسية لا تقبل هذه التحالفات، هي لا تعترف إلا بالأقوياء في المنطقة.
والعرب اليوم، إذا أرادوا وكانوا أصحاب قرار لقرارهم السيادي، يمكنهم أن يقبلوا فقط بمصالح مشتركة تبنى بين الطرفين أو بين الحليفين.
الاتفاق الأمريكي-الإيراني إذا تم، سيكون نقطة تحول خطيرة للمعادلات الجيوسياسية في المنطقة.
الدول العربية التي كانت تعتمد على الحماية الأمريكية بشكل رئيسي ستجد نفسها في وضع غير آمن وغير مستقر.
السبب يعود إلى الحليف القوي الذي لا يهتم باستقرار تلك الدول بمقدار اهتمامه بمصالحه الداخلية.
أمريكا في الأساس لا تهتم باستقرار المنطقة، بل تهتم بمصالحها.
إذا تغيرت مصالحها، تتغير سياساتها بسرعة.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية أيضاً لا تبحث عن صداقات دائمة، بل تبحث عن نفوذها الإقليمي في المنطقة، ومساحة واسعة للحركة والمناورة وفرض الردع.
لذا على أقطار الوطن العربي أن تعي أن لا أحد غيرها يحرس مصالحها وأمنها واستقرارها وقرارها السيادي.
من هنا تحديداً تبدأ مرحلة الاستقلال الاستراتيجي الحقيقية لها.
إن الاعتماد على الخارج في الأمن والسياسة والاقتصاد للدول العربية لم يعطِ نتائج إيجابية.
كل اعتماد على الحلفاء، خاصة الأمريكي، يؤدي إلى تآكل السيادة الوطنية وفقدان السيطرة على القرارات المهمة.
عبر عقود مضت، التجربة الواقعية أثبتت أن الدول التي تعتمد على الخارج تصبح دائماً في صف الخاسر.
الاستقلال العسكري هو حجر الأساس للاستقلال الاستراتيجي الحقيقي.
من أجل ذلك عليها أن تعمل من الآن على بناء صناعة عسكرية متقدمة، خاصة في تقنيات المسيرات والطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع الجوي.
الاعتماد على استيراد الأسلحة لجيوشها من الخارج يجعلها عرضة للضغوط السياسية من الحليف غير الوفي.
الاستقلال الاستراتيجي لا يتحقق أيضاً بدون استقلال اقتصادي بين الدول العربية.
تحتاج إلى بناء اقتصاد متكامل يعتمد على التبادل الداخلي ومع الدول المحيطة ودول الجوار.
الاكتفاء الاقتصادي الذاتي ضرورة ملحة.
وبالتجربة الفعلية عبر عقود مضت، برامج الاعتماد على استيراد السلع الأساسية تجعل الدول العربية عرضة للضغوط الخارجية في المجالات كلهن.
وعليه، الاستقلال الاستراتيجي يتطلب بناء تحالفات إقليمية حقيقية فيها توازن، وتعتمد على المصالح المشتركة بين الطرفين، وليس محض تابع ومتبوع.
التعاون العربي في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتقنية يجب أن يصبح أولوية قصوى لكل دولة عربية.
الدول التي تتعاون مع بعضها ستكون أقوى من أي دولة عربية تعتمد على حماية خارجية يمكن أن تترك وحيدة في موقف ما.
دقت ساعة الاستقلال الاستراتيجي العربي.
الفرصة صارت متاحة، رغم أن الوقت محدود صار محدوداً أيضاً.
تحتاج ومطلوب منها اتخاذ قرارات جريئة لإعادة تعريف علاقاتها مع ذلك الحليف من العالم.
ولو تم اتفاق أمريكي-إيراني، فإن العرب عليهم الاستعداد للاستقلال التام، لأنهم لن يجدوا حينها أي حماية خارجية لهم.
المستقبل العربي لا يمكن أن يُبنى على أكتاف الآخرين، بل على جهود أبنائه بأنفسهم.
الاعتماد على النفس لم يكن خياراً، بل أصبح ضرورة.
الأعداء لا ينامون، والمصالح الخارجية لا تتغير، والعرب عليهم أن يدركوا أنهم هم أنفسهم فقط مجتمعون من يمكن أن يحرس مصالحه، ويحمي مواطنه ووطنه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك