وسط ترقب إقليمي ودولي لإعلان مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، يعيش المشهد السياسي الإيراني حالة من الحراك الإعلامي المكثف، حيث تتقاطع الرؤى بين اعتبار الاتفاق" انتصاراً لمنطق الردع" والتحذير من" فخاخ أميركية" تستهدف تجريد إيران من أوراق قوتها.
وبينما تراهن الحكومة الإيرانية والتيارات المعتدلة على الدبلوماسية سبيلاً لتخفيف الضغوط الاقتصادية، ينتقد التيار المحافظ المتشدد الاتفاق مع الإدارة الأميركية، ومنهم من يرفض أي تفاوض أو اتفاق مع قتلة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي والقادة العسكريين الذين اغتيلوا.
في الأثناء، لم ينشر بعد نص مذكرة التفاهم شبه الجاهزة بين الطرفين، فيما يواصل كل طرف تقديم روايته الخاصة وتصوراته بشأن مضمونها.
غير أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تطرق، مساء الجمعة، إلى ملامحها العامة في مقابلة مع التلفزيون الإيراني، وذلك على خلفية الانتقادات الموجهة إلى غياب رواية إيرانية رسمية واضحة.
ورغم امتناعه عن الخوض في تفاصيل الاتفاق، فإنه عرض خطوطه العريضة وعناوينه الرئيسية، مبرراً تحفظه على نشر التفاصيل بوجود" أعداء" للاتفاق، في مقدمتهم الاحتلال الإسرائيلي.
وقال إن الكشف عن التفاصيل قبل التوقيع قد يعرقل إتمامه، واعداً بنشر المذكرة، التي كتبت في أقل من صفحتين، فور توقيعها.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة" خراسان" المحافظة، في عددها الصادر اليوم السبت، بأن البعض يتصور أن أي اتفاق يعني بالضرورة نهاية الحرب والعداء بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن تجارب القوى الكبرى تشير إلى أن العديد من الاتفاقيات تبرم لإدارة التنافس وليس لإنهاء الصراع.
وترى الصحيفة الإيرانية، المقربة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أن الوظيفة الأساسية لهذا التفاهم، بناءً على النصوص المنشورة، توفير" فرصة استراتيجية لالتقاط الأنفاس" لكلا الطرفين، إذ ستتمكن إيران خلالها من ترميم خسائر الحرب وإعادة إعمار البنية التحتية وتعزيز قدراتها الهجومية والدفاعية، فيما سيستغل الأميركيون هذا الهامش لإصلاح أضرارهم الإقليمية.
وبحسب" خراسان"، فإن ما يجري لا يمثل نهاية للنزاع بقدر ما يشكل توقفاً مؤقتاً لإعادة تعريف المرحلة المقبلة من الحرب، مستشهدة بقول سابق لقاليباف: " المنتصر في أي اتفاق هو من يستعد للحرب بشكل أفضل منذ اليوم التالي لإبرامه".
وتضيف الصحيفة الإيرانية أن التغيير المفاجئ في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس الماضي، يعكس تحولاً في حساباته، حيث أدرك بعد أيام من التصعيد العسكري واستهداف جنوبي إيران أن طهران" لا تزال صامدة ولن تقدم تنازلات تحت الضغط"، ما دفع واشنطن إلى تفضيل" إدارة الحرب" بدلاً من" توسيع نطاقها".
وعلى المستوى الإقليمي، تؤكد" خراسان" أن التفاهم المكون من 14 بنداً لا يتضمن أي اتفاق بشأن تسليم إدارة مضيق هرمز، بل سيبحث مستقبل هذا الممر المائي في إطار آلية إقليمية بين طهران ومسقط، وهو ما يناقض مطالب ترامب السابقة.
وتعتبر الصحيفة أن حصر أجندة المفاوضات المستقبلية في ثلاثة ملفات فقط، هي البرنامج النووي السلمي، ورفع العقوبات، وجبر الخسائر، يشكل" إنجازاً مهماً" لإيران، نظراً لاستبعاد الملفات الصاروخية والدفاعية وسائر عناصر الردع.
في المقابل، انتقدت صحيفة" كيهان" الإيرانية المحافظة المتشددة، في عددها الصادر اليوم السبت، إعادة فتح مضيق هرمز، مشيرة إلى أنها لا تعارض مبدأ التفاوض، لكنها تشدد على أن المضيق أهم ورقة قوة لإيران، التي قالت إنها" أوقفت العدو وأرغمت" الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قبول وقف إطلاق النار.
وتؤكد الصحيفة الإيرانية أنه" لا يوجد أدنى شك في أن العدو سيستأنف عدوانه وعمليات الاغتيال وقتل المدنيين بشكل أكثر وحشية مما سبق بمجرد إعادة فتح هذا المضيق".
وترى" كيهان" أن السيطرة على مضيق هرمز تمثل" أكبر نقطة ضعف للعدو"، مؤكدة أنه" لا يوجد عاقل يضع أكبر نقاط قوته على طاولة المفاوضات".
وتلفت إلى أن تحقيق أهداف مثل كبح العدو، وإلغاء العقوبات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، والوصول إلى ردع ووقف دائم للحرب، كلها مطالب تتقاطع عند السيطرة على هذا الممر المائي، محذرة من خسارة هذه الورقة مقابل سلسلة من" الوعود الآجلة".
وفي الاتجاه الإصلاحي، يقول الأمين العام لحزب" كوادر البناء" الإصلاحي، حسين مرعشي، في مقال نشرته صحيفة" سازندگي" تحت عنوان" اتفاق السلام؛ عامل وحدة أم تفرقة؟ "، إن هناك من يسعى داخل إيران لإفشال الاتفاق.
ويوضح مرعشي أن الاتفاق المرتقب سيؤدي إلى تخفيف الضغوط عن الاقتصاد الإيراني، واستغلال الطاقات الاقتصادية بشكل أكثر فاعلية، وإعادة فتح مضيق هرمز لتمكين العالم من الاستفادة من موارد الطاقة في الخليج، فضلاً عن إرساء هدوء نسبي على المستوى الدولي.
ويتساءل مرعشي في مقاله عما إذا كان السياسيون الإيرانيون، الذين يؤكدون التزامهم بالنظام وقرارات القيادة، سيكررون سيناريو الاتفاق النووي لعام 2015 نفسه، أم أن البلاد ستشهد نضجاً سياسياً يحول أي اتفاق تقره الدولة إلى عامل وحدة وطنية.
وأعرب مرعشي عن أمله في رؤية نمو سياسي لدى النخب، داعياً الشعب الإيراني إلى تحديد موقفه من السياسيين الذين، بحسب قوله، يفضلون مصالحهم الشخصية وأحقادهم على المصالح العامة، ويحولون البلاد ومقدرات الشعب إلى أدوات لتحقيق مآربهم الخاصة.
وبموازاة هذه المواقف، هاجم موقع" رجانيوز" المحافظ الاتفاق مع الولايات المتحدة، معتبراً أن الأخيرة في" حاجة ماسة" لإبرامه خلال الأسابيع المقبلة، ومؤكداً ضرورة تدفيع الجانب الأميركي ثمناً يتناسب مع حاجته.
ويحذر الموقع من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يشن حرباً أكثر ضراوة ضد إيران بعد الانتخابات الأميركية بمجرد تجاوزه أزمة الطاقة العالمية، إن لم يُستغل الظرف الحالي لانتزاع تنازلات كبرى.
ويشير" رجانيوز" إلى أن حاجة ترامب إلى إعادة فتح مضيق هرمز تجعل التمسك بالشروط والمطالب الإيرانية أمراً يصب في مصلحة الأمن القومي.
ويرى الموقع الإيراني أن الولايات المتحدة" لن تجد خياراً سوى التعاون مع إيران" لإدارة الموقف، مع التأكيد أن ورقة مضيق هرمز ستساهم في رفع الحصار والعقوبات وتعزز موقع طهران التفاوضي.
ودعا إلى عدم الخشية من تهديدات واشنطن بقصف البنى التحتية الإيرانية، موضحاً أن تنفيذ واشنطن لوعودها باستهداف البنية التحتية الإيرانية سيعني تعميق الأزمة، لأن الرد الإيراني سيطاول منشآت الطاقة في المنطقة، وهو ما سيؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية ويدفع إدارة ترامب نحو" الهاوية التي تخشاها".
ويشير إلى أن ترامب لن يغامر بالتصعيد إذا أدرك حجم التكلفة المترتبة على ذلك.
وفي السياق ذاته، تذكر صحيفة" إيران" الحكومية، في مقال بعنوان" الدبلوماسية من قلب الردع"، أن قرب إعلان تفاهم أو اتفاق بين إيران والولايات المتحدة لا ينبغي التعامل معه على أنه مجرد خطوة سياسية أو دبلوماسية، بل تحول استراتيجي يعيد تعريف العلاقة بين القوة والردع والدبلوماسية في النظام الدولي.
وتوضح الصحيفة أن جزءاً من النخبة السياسية والأمنية الأميركية بنى استراتيجيته تجاه طهران على مفهوم" السلام من خلال القوة"، الذي يقوم على زيادة الضغوط الاقتصادية والتهديد العسكري لإجبار الطرف الآخر على القبول بالإملاءات، لكن التجربة الإيرانية، وفقاً للصحيفة، أثبتت عدم جدوى هذه النظرية أمام لاعبين يمتلكون قدرات ردع مؤثرة.
وتشير إلى أن واشنطن استخدمت كل أدوات الضغط خلال عقد كامل، بما في ذلك العقوبات القصوى والعمليات التخريبية والحرب المعرفية، من دون أن تنجح في تغيير السلوك الإيراني أو إضعاف قدراته الاستراتيجية.
وتضيف الصحيفة الإيرانية أن ما مهد الطريق أمام الدبلوماسية، تغير حسابات الربح والخسارة لدى الطرف الأميركي، حيث تمكنت إيران من تثبيت موقعها الردعي اعتماداً على قدراتها الذاتية، بما في ذلك تقدمها التكنولوجي وتطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرات، إلى جانب الحفاظ على نفوذها الإقليمي وبرنامجها النووي، ما يجعل تجاهلها أمراً غير ممكن.
وتخلص" إيران" إلى أن الاتفاق المحتمل يمثل دليلاً على تراجع منطق الإكراه وصعود منطق الردع، مؤكدة أن الدبلوماسية تتحول من خيار إلى ضرورة عندما ترتفع كلفة الخيارات الصلبة.
وتشدد على أن الدبلوماسية الفعالة تقوم على أساس القوة، لا في غيابها، مشيرة إلى أن الدول التي لا تمتلك مقومات الردع تكون قدرتها على المساومة محدودة في أي مفاوضات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك