تحدثت العالمة ياسمين بلقايد، مديرة معهد باستور، عن جذورها الجزائرية وتجربتها الشخصية والعلمية، مسلطة الضوء على ما شكل طفولتها في الجزائر من قيم، وعلى الصعوبات التي واجهتها خلال مسيرتها المهنية في الخارج، والتي ارتبطت أساسا بالبعد عن العائلة وإعادة بناء الحياة في سياقات ثقافية مختلفة.
وأوضحت بلقايد، في تصريحات لمجلة (ELLE Switzerland) أعادت من خلالها استحضار علاقتها بالجزائر، أنها ولدت عام 1968 في الجزائر العاصمة، حيث درست الكيمياء الحيوية في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا باب الزوار (USTHB)، قبل أن تواصل مسارها الأكاديمي في فرنسا ثم الولايات المتحدة، لتصبح لاحقا من أبرز الأسماء العالمية في علم المناعة.
وفي السياق نفسه، استحضرت بلقايد الخلفية العائلية التي أثرت في تكوينها المبكر، مشيرة إلى والدها أبو بكر بلقايد، الذي شارك في حرب التحرير الوطني وتولى مناصب حكومية بعد الاستقلال، قبل أن يغتال سنة 1995 في ساحة بورسعيد بالعاصمة الجزائر.
بين العائلة والمسار العلميأكدت بلقايد أن نشأتها في الجزائر خلال مرحلة ما بعد الاستقلال غرست فيها إحساسا قويا بالكرامة والاستقلال والانتماء، موضحة أنها نشأت في بيئة اجتماعية تحمل ذاكرة جماعية قائمة على التضحية والعمل من أجل بناء الدولة.
وقالت إن هذا السياق كان له تأثير مباشر على تكوينها الفكري والإنساني، حيث نشأت وسط قصص عن أشخاص ضحوا بحياتهم من أجل الوطن، وهو ما ساهم في تشكيل رؤيتها للعالم لاحقًا.
وعن مسيرتها المهنية، أوضحت بلقايد أن التحدي الأكبر لم يكن علميا بل إنسانيا، متمثلا في الابتعاد عن العائلة في الجزائر وصعوبة التكيف مع بيئات ثقافية جديدة أثناء بناء مسارها العلمي في الخارج.
وأضافت أن إعادة بناء حياة جديدة بعيدا عن الجذور لم تكن سهلة، لكنها شكلت جزءا أساسيا من تجربتها الشخصية والعلمية، مؤكدة في الوقت نفسه أنها لم تفقد ارتباطها العاطفي والثقافي بالجزائر.
وفيما يتعلق بحياتها الأسرية، شددت بلقايد على أن الأمومة لم تؤثر سلبا على مسيرتها المهنية، بل ساعدتها على اكتساب مزيد من التنظيم والقوة، مشيرة إلى الدعم الكبير الذي تلقته من عائلتها وزوجها.
وقالت إن أطفالها شكلوا مصدر قوة يومي لها، وإن وجودهم إلى جانبها ساعدها على التوازن بين الحياة العائلية والعمل البحثي.
مسار علمي عالمي في علم المناعةتعد ياسمين بلقايد من أبرز الباحثين في علم المناعة على المستوى العالمي، حيث قادت أبحاثا ركزت على العلاقة بين الجهاز المناعي والميكروبيوم، أي الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل جسم الإنسان، وكيف يساهم هذا التوازن في حماية الجسم من الأمراض.
وقد أثبتت من خلال أعمالها أن الجهاز المناعي يعتمد بشكل كبير على هذه الميكروبات النافعة لتنظيم استجابته ضد العدوى والالتهابات، ما أعاد صياغة فهم العلاقات البيولوجية داخل الجسم البشري.
كما درست بلقايد ما يعرف بـ”مناطق الحماية” مثل الجلد والأمعاء والرئتين، وبيّنت أنها ليست مجرد حواجز، بل أنظمة بيولوجية نشطة تتفاعل باستمرار مع البيئة الخارجية لتشكيل خط الدفاع الأول للجسم.
ومن أبرز إسهاماتها العلمية توضيح تأثير التغذية على المناعة، حيث أثبتت أن عناصر غذائية محددة مثل فيتامين “أ” تلعب دورا مهما في تنظيم الاستجابة المناعية داخل الأنسجة، وأن النظام الغذائي يؤثر بشكل مباشر على تركيبة الميكروبيوم، وبالتالي على قدرة الجسم على مقاومة الأمراض المزمنة مثل الحساسية وداء كرون والالتهابات الجلدية.
وتوجت العالمة الجزائرية ياسمين بلقايد بجائزة مؤسسة لويس-جانتي السويسرية للطب لسنة 2026، تقديرا لأبحاثها المتقدمة في علم المناعة، خصوصا في فهم التفاعل المعقد بين التغذية والميكروبيوم والجهاز المناعي ودوره في الوقاية من الأمراض المزمنة والمعدية، لتكرس حضورها ضمن أبرز الأسماء العلمية عالميا في الطب الحيوي.
ساهمت بلقايد أيضا في تفسير الآليات الدقيقة التي تتحكم في الالتهاب داخل الجسم، من خلال دراسة دور الخلايا المناعية التنظيمية في الحد من الاستجابات المفرطة التي قد تؤدي إلى تلف الأنسجة.
كما بحثت في تأثير المادة الوراثية ومشتقاتها على تنظيم الاستجابة المناعية، ما فتح آفاقًا جديدة لفهم أعمق للأمراض الالتهابية والمعدية، ومهد لتطوير مقاربات علاجية أكثر دقة في الطب الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك