السوسنة - سارة ابو زيتون، باشراف الدكتور عامر غرايبة - فيلم The Menu (2022) للمخرج مارك ميلود ليس مجرد فيلم رعب ترفيهي، بل عمل سينمائي حقق نجاحاً نقدياً لافتاً، حيث حصل على تقييم مرتفع بلغ 88% من النقاد على موقع Rotten Tomatoes.
وبميزانية متوسطة تقارب 30 مليون دولار، استطاع صناع الفيلم توظيف الديكورات والإضاءة بدقة عالية لخلق فضاء بصري خانق ومشحون بالتوتر.
تبدأ القصة مع سفر 12 شخصاً من الطبقة الغنية إلى جزيرة معزولة لتناول الطعام في مطعم حصري جداً يُدعى “هوثورن”، حيث تبلغ تكلفة الوجبة 1250 دولاراً للشخص الواحد.
يدير المطعم شيف عبقري يُدعى جوليان سلوفيك، لكن التجربة التي تبدو فاخرة تتحول تدريجياً إلى مشروع انتقام دموي، إذ يكشف الشيف أنه أعد قائمة الطعام كرحلة عقاب سادية تنتهي بموت الضيوف وتدمير المكان، بهدف “تطهير” فنه من الطبقة التي يعتقد أنها أفسدته.
لا يلتزم الفيلم بالبنية التقليدية، بل يتمحور حول فكرة مركزية تتعلق بالصراع الطبقي وسلعية الفن داخل النظام الرأسمالي.
فهو يوضح كيف يتحول الفن، وفي هذه الحالة فن الطهي، من ممارسة إنسانية قائمة على الشغف والإبداع إلى سلعة تُشترى لأجل المظاهر والوجاهة الاجتماعية دون إدراك حقيقي لقيمتها.
ومن هذا المنظور، يقدم الفيلم تصوراً أخلاقياً معقداً لا يقوم على ثنائية الخير والشر، بل على صراع بين أطراف مشوهة من الجانبين.
فالأثرياء يمثلون النفاق والتعالي والفساد الطبقي، بينما يجسد الشيف ومطبخه التطرف والسادية والاضطراب النفسي.
وينعكس هذا التصادم على فكرة الاغتراب، حيث يتحول الفنان إلى شخص يشعر بأنه مُستنزف من قبل جمهور لا يفهم فنه ولا يقدره.
يتميز البناء الدرامي للفيلم بتصاعد هندسي دقيق، حيث تُقسم الأحداث وفق “أطباق العشاء”، ومع كل طبق جديد يرتفع مستوى التوتر وتزداد حدة الصراع بين الشخصيات، مما يمنح الفيلم إيقاعاً متدرجاً ومشدوداً حتى النهاية.
أما الشخصيات، فهي موزعة بين شخصيات مركبة وأخرى رمزية.
فالشيف جوليان سلوفيك يمثل الفنان المحبط الذي تحول إحباطه إلى رغبة في الانتقام، ويظهر جانب إنساني نادر منه عندما يطلب “برغر الجبن” البسيط، فيستعيد ذكريات بداياته ويكشف عن ندم داخلي مرتبط بمسيرته.
في المقابل، تمثل مارغوت (إيرين) الشخصية الأكثر واقعية ومرونة، إذ تنتمي إلى طبقة العمال، وتمتلك وعيًا بسيطاً لكنه كافٍ لرؤية عبثية الموقف، ما مكنها من النجاة وفكك منظومة الشيف الفكرية.
على الجانب الآخر، تأتي الشخصيات النمطية بوصفها رموزاً اجتماعية واضحة.
فتايلر يمثل المستهلك المهووس بالفن دون فهمه، والناقدة ومساعدها يجسدان النخبة الفكرية التي تفرغ الفن من متعته عبر التحليل المفرط والغرور، بينما يمثل رجال الأعمال والرجل الثري العجوز صورة الفساد المالي والطبقية المطلقة.
يعتمد الفيلم أيضاً على لغة سينمائية غنية بالرموز والدلالات، حيث يتحول الطعام إلى أداة للعقاب الاجتماعي بدل كونه وسيلة للغذاء.
كما يعمل تصفيق الشيف كرمز للهيمنة والسيطرة داخل فضاء المطعم.
وتبرز وجبة “برغر الجبن” كأهم علامة دلالية في الفيلم، إذ تمثل البساطة والأصالة وبدايات الشيف قبل أن يفسدها عالم المال والطبقة الثرية، وهي اللحظة التي تكسر المسار المأساوي وتمنح الشخصية الرئيسية فرصة النجاة.
من الناحية البصرية، يعتمد الفيلم على تكوينات هندسية متناظرة وخطوط دقيقة تعكس هوس الشيف بالكمال والانضباط.
كما تتدرج الإضاءة من الدفء والفخامة في البداية إلى البرودة والقسوة مع تصاعد الأحداث، مما يعزز الإحساس بالعزلة والفخ الذي يحيط بالشخصيات.
لا يأتي الجمال الفني في الفيلم من كونه تجربة مريحة، بل من قدرته على خلق توتر بصري مستمر عبر تماسك صارم بين الشكل والمضمون.
فكل عنصر بصري، من الكادر إلى الطعام إلى الإضاءة، يخدم بناء المعنى ويعمق الصراع، ليصبح الفيلم في النهاية نقداً حاداً للنظام الرأسمالي وللعلاقة المعقدة بين الفن والطبقة والسلطة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك