إن الشرق الأوسط، بتركيبته المعقدة وتناقضاته الصاخبة، يقف اليوم أمام لحظة فارقة تشبه اللحظات التاريخية الكبرى التى أعقبت معاهدات وستفاليا أو تفاهمات يالطا، حيث يُعاد رسم الخطوط وتوزيع الأدوار فوق رمال متحركة لا تثبت على حال،نحن أمام مشهد يتجاوز مجرد فكرة الإتفاق العابر بين واشنطن وطهران؛ إننا أمام صفقة الضرورات الحتمية التي تولدت من رحم مواجهات طاحنة وحروب إستنزاف كادت أن تطيح بأسقف النظام الإقليمي بأسره، ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري ما هو مصير حركات المقاومة، أو ما يُعرف بـ محور المقاومة، عندما يقرر الراعي والخصم الأكبر الجلوس في غرف مغلقة لتوقيع مسودات التهدئة والتسوية؟
الحرب الأخيرة والتصعيد العسكري غير المسبوق الذي شهدته المنطقة، وخصوصاً الضربات العميقة التي طالت البنية التحتية العسكرية الحيوية، قد وضعت القيادة في طهران أمام خيارين لا ثالث لهما إما الذهاب إلى حافة الإنتحار الإستراتيجي الشامل، أو الدخول في عملية مقايضة تاريخية تضمن بقاء النظام والإعتراف بنفوذه الإقليمي مقابل ثمن فادح يُدفع من كيس الحلفاء الإقليميين.
إن المسودات المطروحة للتسوية تشتمل على بند شديد الحساسية، وهو إلتزام إيران بوقف أو تحجيم التمويل والتسليح العسكري المباشر للفصائل والحركات الحليفة لها في لبنان، واليمن، والعراق، وفلسطين، وأن الجزرة الإقتصادية المتمثلة في الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات المجمدة ورفع الحصار النفطي، تمثل حاجة وجودية لطهران تفوق في الوقت الراهن الحسابات العاطفية لساحات المقاومة.
إن حركات المقاومة لم تعد مجرد أزرار تضغط عليها طهران من غرف العمليات في باستور، لقد تحولت هذه الحركات على مدى العقدين الماضيين إلى كيانات ذات جذور محلية وعقائدية قوية جداً، تمتلك بيئات حاضنة ومصالح سياسية وإقتصادية داخل دولها كما هو الحال مع حزب الله في لبنان، أو الحوثيين في اليمن، أو الحشد الشعبي في العراق،تدرك هذه الفصائل أن شبكة الإتصالات والتحكم الهرمية التقليدية مع إيران أصبحت مرصودة ومستهدفة، ولذلك بدأت تتحول غريزياً إلى اللامركزية في إتخاذ القرار وإدارة العمليات العسكرية والمحلية،وإيران، ورغم موافقتها على تقليص الدعم، قد تركت لحلفائها تكنولوجيا التصنيع الذاتي خصوصاً الطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة، مما يجعل فكرة نزع السلاح الكامل أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور.
وستحاول هذه الحركات تعويض تراجع الغطاء الإقليمي الإيراني عبر التمترس داخل مؤسسات الدولة الوطنية، والسيطرة على القرار السياسي والإقتصادي محلياً لحماية وجودها،إن أي اتفاق أمريكي إيراني يفرض على حركات المقاومة المرور عبر نفق ضيق من الإختبارات المصيرية،وهذا يتجلى بوضوح في الساحة العراقية وبعض جوانب الساحة اللبنانية، حيث ستدفع الضغوط الدولية والإقليمية بهذه الفصائل إلى الإنخراط الكامل في بنية الدولة، وتحويل السلاح إلى قوة ردع سياسية تُستخدم في الداخل لتثبيت المكاسب، بدلاً من كونه أداة لشن حروب إقليمية عابرة للحدود،وحركات مثل جماعة أنصار الله في اليمن قد تبدي إستقلالية أكبر عن الرغبة الإيرانية إذا ما شعرت أن الإتفاق يهدد مكتسباتها السياسية أو سيطرتها على الممرات المائية الحيوية مثل مضيق باب المندب، فالبيئة القبلية والجغرافية الوعرة تمنح هذه الحركات هامشاً للمناورة والتمرد، حتى على حساب التوجهات الجديدة لطهران.
وفي الساحة الفلسطينية، حيث تراجع الدعم المالي والتسليحي المباشر من طهران سيجبر الحركات هناك على إبتكار أساليب جديدة تعتمد بالكامل على الإمكانيات الذاتية، ومحاولة البحث عن حلفاء إقليميين آخرين أو الدخول في تفاهمات طويلة الأمد، لأن كلفة الإستمرار في مواجهة مفتوحة بلا غطاء إقليمي ستكون باهظة جداً.
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه حركات المقاومة اليوم ليست في قلة السلاح أو تراجع المال؛ الأزمة تكمن في أزمة المفهوم وظلال التحول.
لقد بنت هذه الحركات إستراتيجيتها لسنوات طويلة على فرضية وحدة الساحات والدعم اللامحدود من العمق الإستراتيجي في طهران، لكن منطق الدولة في إيران، عندما جابه أخطاراً وجودية تتعلق ببقائه ونظامه، فضّل في نهاية المطاف حسابات المصالح القومية العليا على حسابات الثورة المستمرة.
هذا الإتفاق ليس نهاية مطلقة لحركات المقاومة، بل نهاية العصر الذهبي للوكالة المباشرة، ستظل هذه الحركات موجودة، وستظل رقماً صعباً في معادلات الشرق الأوسط، لكنها من الآن فصاعداً ستخوض معاركها بمفردها، وفي حدود جغرافيتها المحلية، وتحت سقف التفاهمات الكبرى التي خطتها أقلام القوى العظمى في عواصم التفاوض.
إنها الحقيقة القاسية التي تذكرنا دائماً بأن في عالم السياسة الدولية التحالفات قد تكون عاطفية، ولكن الإتفاقات دائماً وبلا إستثناء.
تصاغ بدماء الحلفاء المدفوعة على مذبح مصالح الكبار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك