عندما قضى الجفاف على معظم ماشية عائلتها، وجدت نيسيركار لونغيدونغي، وهي أم لأربعة أطفال تبلغ من العمر 30 عاما من قرية سيليلا شمالي تنزانيا، نفسها أمام خيارات محدودة.
لكنها اليوم، باتت تكسب رزقها من زراعة وبيع أعلاف مقاومة للجفاف.
فقد أوضحت للجزيرة قائلة: " قبل أن أزرع الأعلاف فقدت معظم ماعزنا.
أما الآن فيأتي الناس من قرى أخرى لشراء الأعلاف، وأستطيع إعالة أطفالي.
لم أعد أخشى الجفاف".
وبفضل هذا الدخل، بنت منزلا واشترت خمسة رؤوس من الماعز.
من قصة فردية إلى اتجاه متنامٍأصبحت قصة لونغيدونغي جزءا من اتجاه أوسع يتنامى بسرعة في شمال تنزانيا، حيث حولت نساء الماساي -وهم مجتمع يضم نحو 430 ألف نسمة- إنتاج الأعلاف من وسيلة للبقاء إلى نشاط تجاري للتكيف مع المناخ.
ويتم ذلك بتنسيق من" مجلس النساء الرعويات"، وهو منظمة عضوية تقودها نساء وتعمل في ثلاث مقاطعات شمالية شرقية تمتد على أكثر من 28 ألف كيلومتر مربع وتخدم نحو 456 ألف شخص معظمهم من الماساي.
تأسس المجلس عام 1997، ويضم اليوم نحو 6500 عضوة في 90 قرية، ويركز عمله على حقوق الأرض والتمكين الاقتصادي وتعليم الفتيات.
ووفقا لوزارة الثروة الحيوانية ومصائد الأسماك التنزانية، نفق ما لا يقل عن 306 آلاف رأس من الأبقار والماعز والأغنام والحمير بين سبتمبر/أيلول 2021 ويناير/كانون الثاني 2022 بسبب الجفاف المستمر.
وبالنسبة لشعب الماساي، تمثل الأبقار أكثر من مجرد ماشية، فهي مركز الحياة اليومية والاقتصاد والهوية.
وعندما تتأخر الأمطار، يكون الأثر فوريا، إذ تضعف الحيوانات وتعاني الأسر.
بنوك للبذور ومزارع جماعيةورداً على هذه الأزمة، أنشأ مجلس النساء الرعويات عشرة بنوك رئيسية لبذور الأعشاب في 8 قرى بمقاطعتي موندولي ولونغيدو.
وتخضع اليوم نحو 75 هكتاراً لإنتاج الأعلاف، مع توقع إضافة 37 هكتاراً أخرى في موسم 2025-2026.
وتدير نحو 250 امرأة هذه المزارع مباشرة، بينما يعتمد آلاف الرعاة عليها خلال مواسم الجفاف.
في عام 2025، حقق أحد بنوك البذور إيرادات بلغت 6.
6 ملايين شلن تنزاني (نحو 2500 دولار) من مبيعات البذور، إضافة إلى بيع 1111 حزمة من التبن بسعر 6000 شلن (نحو 2.
3 دولار) للحزمة الواحدة.
وبدعم من منظمات مثل" الصندوق العالمي للمرأة" و" أوكسفام"، بات المجلس يُنظر إليه كنموذج قابل للتكرار لحماية اقتصاد ماشية تقدر قيمته بملايين الدولارات.
ولمواجهة تراجع الأمطار، تزرع النساء أعشاباً صامدة مثل عشب رودس (Rhodes grass) وعشب حب الماساي (Maasai love grass) في أراضٍ جماعية مخصصة، إذ تبقى هذه الأعشاب خضراء لفترة أطول من المراعي الطبيعية خلال فترات الجفاف.
وبعد الحصاد تُحزم وتُباع للرعاة المحليين.
تقول لونغيدونغي إن البذور" تخزن أيضاً وتباع لاحقاً عندما يرتفع الطلب"، مضيفة أن هذه الدورة تدعم الآن أسراً كثيرة في المناطق القاحلة.
وتوضح راشيل ليتييتي، وهي من العضوات المؤسسات للمجلس: " النساء اللواتي كن يعتمدن كلياً على أزواجهن أصبح لديهن الآن دخلهن الخاص.
الأسر تزداد استقراراً، والرجال بدؤوا يقدرون مساهمات النساء، خصوصاً خلال فترات الجفاف".
غير أن هذا التقدم لا يخلو من عقبات.
فبحسب لونغيدونغي، تتضرر بعض المزارع عندما تجتاحها الأعشاب الضارة أو تنكسر الأسوار فتدخل الماشية والحيوانات البرية وتدمر المساحات المزروعة بعناية، مضيفة: " رأيت نباتات طفيلية تتلف أجزاء كبيرة من مزارعنا، وأحياناً تدخل الحيوانات وتدمر ما عملنا عليه شهوراً.
ليس من السهل حراسة هذه الحقول كل يوم"، مشيرة أيضاً إلى توترات داخل المجموعات بسبب خلافات حول المسؤوليات وتقاسم الدخل.
وتشارك حالياً نحو 200 امرأة مباشرة في المشروع بدعم من منظمات مثل" جست ديغيت" (Justdiggit)، و" أشجار من أجل المستقبل" (Trees for the Future)، و" سويس إيد" (Swissaid)، فيما يستفيد كثيرون بشكل غير مباشر، خصوصاً خلال مواسم الجفاف حين تشح المراعي.
وتقول ناريامو لايزر، وهي أم لثلاثة أطفال وأمينة سر مجموعة" نايشو" التي تدير أحد بنوك البذور: " هذا العمل يمنع نفوق أبقارنا ويحافظ على صحتها"، مضيفة: " إذا اغتنمت جميع النساء هذه الفرصة، فبإمكان هذه المشاريع أن تنهض باقتصادنا".
وتختم لونغيدونغي بأن زراعة الأعلاف لم تعد مجرد وسيلة لتجاوز المواسم الصعبة، قائلة: " الآن تساعد النساء في جلب المال إلى بيوتهن، والأسر تزداد استقراراً".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك