حذر نائب رئيس البنك المركزي الروسي، أليكسي زابوتكين، من أن التأثير التضخمي للحصار المطول لمضيق هرمز على الاقتصاد الروسي مستمر في التراكم، مشيراً إلى أن العامل الجيوسياسي في الشرق الأوسط سيؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ قرارات سعر الفائدة الرئيسي.
وجاءت تصريحات زابوتكين في مقابلة مع صحيفة" فيدوموستي" الروسية، أول أمس الخميس.
وقال المسؤول في البنك المركزي" كلما طال أمد الأزمة في الشرق الأوسط، زاد تأثير التوتر الجيوسياسي في المنطقة على التضخم في روسيا"، وأضاف أن" التأثير الانكماشي (لارتفاع النفط وقوة الروبل الروسي) قد انعكس بالكامل إلى حد كبير في هذه المرحلة".
وأوضح أن ارتفاع الأسعار العالمية لموارد الطاقة الرئيسية على خلفية اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أثر على تكلفة العديد من السلع التي يدخل في إنتاجها المواد الخام، وتابع" هذا العامل يمارس تأثيراً تضخمياً على الاقتصاد العالمي ككل وعلى روسيا".
النفط المرتفع يضغط على الروسبينما تتصدر عناوين النشرات الاقتصادية أرقام خام برنت المرتفعة وتدفق العائدات النفطية الإضافية إلى خزانة الكرملين، ثمة قصة أخرى تروى بعيداً عن أسواق الطاقة العالمية.
إنها قصة المواطن الروسي الذي يستعد لدفع ثمن أزمة لا يد له فيها، في مشهد تتقاطع فيه توترات مضيق هرمز مع رفوف المتاجر في موسكو وكراسنودار والقرم.
فالنفط الذي يمنح الدولة نفوذاً وأموالاً، يحمل في جوفه موجة تضخم مستورد تهدد بتآكل القدرة الشرائية للعديد من الأسر الروسية.
في هذا السياق، قال مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديمتري بريجع، لـ" العربي الجديد"، إن" ارتفاع أسعار النفط بالنسبة لروسيا هو حدث مهم وليس حدثاً عابراً، بل هو أيضاً لحظة سياسية واستراتيجية مركبة"، وأضاف" نعرف أن النفط في النظام الدولي ليس سلعة عادية، وهو أداة قوية ومؤشر على توازن الأسواق ومرآة للتوترات الجيوسياسية ووسيلة أيضاً للضغط على فئة المنتجين والمستهلكين على حد سواء".
وشدد ديمتري على أنّ روسيا، بحكم موقعها كدولة طاقوية كبرى، تستفيد من ارتفاع الأسعار لأنه" يمنح الميزانية العامة متنفساً إضافياً ويدعم عائدات التصدير ويعزز قدرة الدولة على تمويل التزاماتها الاستراتيجية والاجتماعية والعسكرية والصناعية".
واستدرك بالقول" لكن في السياسة والاقتصاد لا توجد مكاسب مجانية بالكامل، كل مكسب خارجي قد يحمل داخله تكلفة داخلية، وهنا تظهر المفارقة الروسية"، وشرح أن" ارتفاع أسعار النفط يمنح موسكو أموالاً إضافية ونفوذاً أكبر في السوق الدولي، لكن في الوقت نفسه يمكن أن يخلق ضغوطاً تضخمية داخلية عبر ارتفاع تكلفة النقل العالمية والتأمين والشحن والسلع المستوردة والمكونات الصناعية والمواد الغذائية والتكنولوجيا، وحتى بعض السلع التي لا تبدو مرتبطة مباشرة بالطاقة لكنها تتأثر بها عبر سلاسل التوريد".
عند هذا الحد من التحذيرات الاستراتيجية، تكتسب التقديرات أهميتها.
فمن جانبه، قدر المحلل في شركة" فريدوم غلوبال"، فلاديمير تشيرنوف، لصحيفة" أم كا" الروسية، أمس الجمعة، أن استمرار التوتر لشهر أو شهرين إضافيين قد يضيف ما بين 0.
2% و0.
4% إلى معدل التضخم السنوي في روسيا، وفي حال طال الحصار لعدة أشهر وبقيت أسعار النفط والشحن والتأمين مرتفعة، قد تصل المساهمة إلى ما بين 0.
5% و1%.
وحذر تشيرنوف من أن السلع الأكثر عرضة للخطر تشمل الإلكترونيات المستوردة والأجهزة المنزلية وقطع غيار السيارات والملابس والأحذية والبضائع القادمة من آسيا، إضافة إلى ارتفاع تدريجي في أسعار المواد الغذائية المعتمدة على مكونات مستوردة وتكاليف النقل.
لكن ديمتري يرى أن معالجة هذه الأرقام تتطلب تحولاً في طريقة التفكير.
فالسؤال الأعمق، برأيه، هو: " كيف يمكن لروسيا أن تحول هذه الاستفادة من مكسب مالي قصير الأجل إلى مكسب جيوسياسي واقتصادي طويل الأجل دون أن تدفع الطبقات الاجتماعية داخل البلاد ثمن هذه التحولات عبر ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية؟ "، ويجيب" يجب على موسكو أن تتعامل مع هذه اللحظة بمنطق دولة استراتيجية لا بمنطق التاجر الذي يبحث عن ربح سريع"، محذراً من أن بقاء العائدات النفطية مجرد أرقام إضافية في الميزانية سيجعل أثرها محدوداً ومؤقتاً.
ويوصي مدير وحدة الدراسات الروسية بخطوات عملية: الأولى، تثبيت الاستقرار الداخلي، مؤكداً أنه" لا يمكن لأي دولة مهما كانت أن تمارس نفوذاً خارجياً فعالاً إذا كان اقتصادها الداخلي مضطرباً".
وفي هذا السياق، يشير إلى أن" المواطن لا يقيس الاستقرار بأرقام الميزانية بل يقيسه بسعر الغذاء وتكلفة النقل وثمن الدواء وقدرته على شراء احتياجاته اليومية"، داعياً إلى آلية دعم موجه لقطاعات حيوية كالغذاء والنقل والأدوية والصناعات المعتمدة على مكونات مستوردة، بدلاً من الدعم العشوائي العام.
أما الخطوة الثانية فهي تجنب التوسع المالي غير المنضبط، إذ يحذر من أنه" إذا ضخت الحكومة أموالاً كثيرة في السوق دون زيادة موازية في الإنتاج فالنتيجة الطبيعية ستكون ارتفاع الأسعار".
أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في استثمار هذه اللحظة لتعزيز مكانة روسيا في" الجنوب العالمي".
وأوضح ديمتري أن" ارتفاع أسعار النفط يجعل الدول المستوردة للطاقة أكثر قلقاً، خاصة في آسيا وأفريقيا والعالم العربي.
هذه الدول لا تبحث فقط عن النفط بل تبحث عن الاستقرار في الإمدادات وعن شريك لا يربط الطاقة بشروط السياسة الغربية".
ويرى أن" المكسب الجيوسياسي الحقيقي ليس من بيع برميل النفط بسعر أعلى فقط، بل من تحويل الطاقة إلى علاقة مؤسسية طويلة بين الدول الصديقة لروسيا، مثل دول منظمة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ودول الخليج العربي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك