فقد اندلعت الحرب بعد شهور من دخول قوات حزب الكتائب بقيادة سمير جعجع إلى الجزء المختلط من جبل لبنان بعد شهور من احتلال القوات الإسرائيلية له في يونيو/حزيران 1982، كما أوضح جنبلاط في شهادته على العصر مع أحمد منصور.
ولم ينكر جنبلاط تنسيقه سياسيا وعسكريا مع الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد.
ويعتقد أن انخراط الدروز في الحرب" ملأ فراغا كبيرا تركه الإسرائيليون بانسحابهم، ووفر كثيرا من الدماء رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدوها".
فهذه الخسائر" لا تنفي الانتصار السياسي الذي حققه جنبلاط في هذه الحرب التي كانت واقعة لا محالة من وجهة نظرنا، وكذلك من وجهة نظر الدروز"، كما يقول.
فالرئيس الأسبق بشير الجميل" أراد إخضاع الدروز وأخطأ بإرسال قواته إلى الجبل، وكاد أن يعترف بهذا لكنه اغتيل، أما سمير جعجع فلم يفتح هذا الموضوع حتى اليوم"، وفق ما قاله الزعيم الدرزي.
والدليل على ذلك، أن جنبلاط تراجع عن حضور اجتماع كان مقررا في بيت رفيق الحريري، عندما تيقن من أنه لا مجال للتوصل إلى أي تفاهم، لأن الرئيس أمين الجميل -الذي حكم بعد اغتيال بشير- لم يكن يسيطر على" القوات اللبنانية"، وقد اعترف في شهادات لاحقا بأنه" كان مكبلا"، وفق زعيم دروز لبنان.
وحتى حافظ الأسد الذي تكبد خسائر كبيرة عندما تصدى للعدوان الإسرائيلي على البقاع، " حقق أيضا مكاسب مهمة رغم ما تكبده من خسائر، لأنه عندما قبل بوقف إطلاق النار" أبقى على ممرات لسوريا وللدروز نحو الجبل والعاصمة بيروت".
فخلال مواجهته مع الإسرائيليين، خسر الأسد 70 طائرة بسبب التشويش الذي أفقد الطيارين القدرة على التحكم في طائراتهم لأنهم كانوا يضطرون لخلع خوذاتهم.
كما خسر 5 آلاف قتيل ورتلا كاملا من الدبابات أرسله من حمص للبقاع دون غطاء جوي لكي يحافظ على مساحة معينة من الأرض في لبنان، كما يقول جنبلاط.
ومع كل هذه الخسائر، نجح الأسد -برأي جنبلاط- في الحفاظ على ممرات نحو الجبل، وكان حريصا على منع الإسرائيليين من السيطرة على منطقة المصنع (الحدود السورية اللبنانية)، وخاضت قواته معارك عنيفة في منطقة السلطان يعقوب، وأوقفت رتلا إسرائيليا في عين سحلتا بجبل لبنان والسلطان يعقوب، رغم قوة النار الهائلة التي كان يملكها.
ولم ينكر جنبلاط أنه رفض القتال ضد الإسرائيليين إلى جانب السوريين، لأنه خشي أن يسيطر الموارنة على الجزء المختلط (دروز ومسيحيون ومسلمون) من جبل لبنان كما حاولوا في حرب الجبل الأولى عام 1860.
كما أن تعبئة الدروز في ذلك الوقت" كانت ضد قوات الموارنة التي تمثل جزءا من المسيحيين وليس كل المسيحيين في لبنان"، وفق جنبلاط، الذي أكد أنه لم يتفق أبدا مع الإسرائيليين على عدم المواجهة.
والسبب في ذلك أن الإسرائيليين واجهوا بعد دخولهم بيروت سنة 1982، مقاومة من عدة أطراف منها: الأحزاب القومية السورية، قسم من الحزب الاشتراكي (بزعامة جنبلاط)، وحركة" أمل"، وبالتالي أجبروا على مغادرة بيروت بعدما وصل الأمر لقتل ضابط في شارع الحمرا وسط العاصمة برصاصة من أحد المقاومين.
وهكذا، بدأت إسرائيل انسحابا جزئيا من بيروت ثم من الجبل تحت وطأة المقاومة العنيفة التي واجهتها، مما وفر للدروز فرصة الانقضاض على قوات الموارنة التي دخلت الجبل باتفاق مع تل أبيب ثم وجدت نفسها وحيدة في الحرب، كما يقول جنبلاط.
ومن أغرب الأمور التي حدثت خلال مواجهة الدروز والموارنة أن جنبلاط" أعلن الحرب على الولايات المتحدة، وأرسل مقاوما هو هيثم الجردي (أبو الشيد) فقتل 4 من قوات المارينز في لبنان، عندما قصفت البوارج الأمريكية الدروز في أكتوبر/تشرين الأول 1983، لمساعدة الموارنة".
ولاحقا، تمكنت جماعة الجهاد الإسلامي من تدمير ثكنة عسكرية أمريكية وأخرى فرنسية فقتلت 241 جنديا من المارينز و58 جنديا فرنسيا.
وهذه هي المرحلة التي يقول جنبلاط إنها" شهدت مولد حزب الله".
ويرى جنبلاط أن هذه المعارك دليل على أن إسرائيل كانت ولا تزال تعتمد على النيران الهائلة وتدمير المدن وقتل المدنيين، ويقول" التعبئة اليمينية في إسرائيل اليوم أقوى مما كانت عليه في الماضي".
فإسرائيل الكبرى التي يتحدثون عنها" ليس لها حدود"، كما يقول جنبلاط" وربما تتحقق جزئيا خلال هذه المرحلة التي لن تر فيها المنطقة سلاما قريبا، بسبب سيطرة الإسرائيليين على السياسة الأمريكية، ومن ثم على كلٍّ أن يحتاط بطريقته".
فإسرائيل" لن تقيم سلاما مع أحد، ولم تترك أرضا لكي تقام عليها دولة فلسطين التي يتحدثون عنها.
ومصر الدولة العربية الكبرى في المواجهة تم تحييدها باتفاقية كامب ديفيد، ولا يزالون يختلقون لها المشاكل على حدودها وفي منابع النيل عبر سد النهضة الإثيوبي، حتى لم تعد قادرة على فتح معبر رفح لإيصال المساعدات إلى الفلسطينيين"، حسب جنبلاط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك