عمان - في بلد يُصنَّف من بين أفقر دول العالم مائياً، لم تعد مياه الأمطار مجرد مورد طبيعي موسمي، بل تتحول تدريجياً إلى أصل اقتصادي قابل للاستثمار.
هذا ما تكشفه دراسة تقييمية حديثة لمنظمة العمل الدولية حول مشروع حصاد مياه الأمطار في الأردن، والذي نجح في الربط بين إدارة الموارد المائية وخلق فرص عمل في المناطق الريفية.
اضافة اعلانوتظهر الدراسة التي شملت 262 وحدة لحصاد المياه موزعة على ثماني محافظات، أن المشروع لم يكن مجرد تدخل بيئي أو زراعي تقليدي، بل برنامج اقتصادي مصغّر أعاد ضخ السيولة في الريف عبر العمل والبناء والإنتاج الزراعي.
وأشارت الدراسة إلى أن المشروع، الذي نُفّذ على مرحلتين بدعم من منظمة العمل الدولية وبالشراكة مع وزارة الزراعة وتمويل من الحكومة النرويجية، تم فيه إنشاء 143 وحدة في المرحلة الأولى، و119 وحدة في المرحلة الثانية، مع منح مالية للمزارعين بلغت 1200 دينار لكل وحدة.
بيد أن الأثر الحقيقي لم يكن في قيمة المنحة، بل في حجم النشاط الاقتصادي الذي تَولّد حولها من أعمال حفر، وإنشاءات، ونقل مواد، وتشغيل عمالة محلية في مناطق تعاني أساساً من محدودية الفرص.
وتشير البيانات التي نتجت عن الدراسة، إلى أن المشروع ولّد أكثر من 2045 يوم عمل خلال موسم زراعي واحد فقط، وهو رقم يعكس قدرة مشاريع البنية التحتية الصغيرة على تحريك سوق العمل المحلي بسرعة وفعالية.
كما أن نحو ثلث المزارعين (33 %) لجأوا لتوظيف عمال إضافيين بعد إنشاء وحدات حصاد المياه، ما يشير إلى انتقال جزء من المزارع من نمط الإنتاج التقليدي إلى نمط أكثر توسعاً وكثافة تشغيلية.
والأهم من ذلك، أن المشروع أنتج أثراً مضاعفاً في الاقتصاد المحلي، حيث ساهم نجاح التجربة في دفع 46 % من المستفيدين إلى نقل المعرفة لجيرانهم، ما أدى إلى إنشاء 266 وحدة إضافية بجهود ذاتية، دون تمويل مباشر.
فعلى مستوى الاقتصاد الزراعي، تُظهر النتائج تحولاً ملموساً في هيكل التكاليف والإنتاج تَمثل في أن 91 % من المزارعين سجلوا انخفاضاً في تكلفة الري، و79 %أكدوا ارتفاع إنتاجية الأراضي، إضافة إلى أن 73 % أشاروا إلى زيادة الدخل الزراعي، كما أن 59 % أدخلوا محاصيل جديدة، و51 % استثمروا في أنظمة ري حديثة.
ووفقا للدراسة، فإن هذه المؤشرات تعكس بوضوح أن المياه المخزنة تحولت إلى رأس مال إنتاجي مباشر، وليس مجرد أداة دعم زراعي.
لكن الدراسة تكشف أيضاً مفارقة مهمة.
وهي أن جزءا كبيرا من المزارعين استخدم خزانات المياه ليس فقط لمياه الأمطار، بل لتخزين مياه من مصادر أخرى أيضاً مثل الصهاريج، ما يعكس أن المشكلة الأساسية ليست الأمطار فقط، بل إدارة ندرة المياه بشكل عام.
تحول في بنية العمل الزراعيولم يقتصر الأثر، وفقا للدراسة، على الإنتاج فقط، بل امتد إلى سوق العمل داخل المزرعة نفسها، فبعد تنفيذ المشروع توسعت المساحات المزروعة لدى 40 % من المزارعين، وارتفع الطلب على العمالة الموسمية، إضافة إلى إدخال تقنيات ري حديثة في أكثر من نصف الحالات.
كما لعبت النساء دوراً أكبر مما هو معتاد في الاقتصاد الزراعي الريفي، إذ شاركت زوجات المزارعين في 55 % من الحالات في أعمال الحقل، خصوصاً في الري والحصاد، ما يعكس توسعاً تدريجياً في مشاركة المرأة اقتصادياً داخل الزراعة الأسرية.
ورغم النتائج الإيجابية، تكشف الدراسة عن اختلالات هيكلية تهدد الاستدامة، إذ إن 28 % فقط من المزارعين قاموا بأعمال صيانة منتظمة، فيما يعاني العديد من الوحدات من مشاكل تسرب، فضلا عن محدودية في التمويل الإضافي أجبرت المزارعين على تغطية التكاليف بأنفسهم.
كما أبدى 91 % من المستفيدين رغبتهم في إنشاء وحدات إضافية، ما يشير إلى فجوة واضحة بين الطلب المرتفع والموارد التمويلية المتاحة.
وكشفت الدراسة أن الجزء الأبرز من التجربة هو أن حصاد مياه الأمطار في الأردن لم يعد مجرد مشروع بيئي، بل يمكن قراءته كنموذج اقتصادي مصغر يعتمد على ثلاث ركائز: الماء، العمل، والإنتاج الزراعي.
فالمشروع أثبت أن استثماراً محدوداً نسبياً في البنية التحتية يمكن أن يولد فرص عمل مباشرة وزيادة في الإنتاج الزراعي وتحفيز الاستثمار الخاص من قبل المزارعين.
وشددت الدراسة على أن الأردن، البلد الذي يعاني من شح المياه وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي، لا يعد المياه مجرد قضية بيئية، بل أصل اقتصادي إذا أُدير بشكل صحيح يمكن أن يتحول إلى أداة تشغيل وتنمية ريفية.
واستدركت بأن تحويل هذا النموذج إلى سياسة وطنية واسعة يتطلب معالجة ثلاث نقاط حرجة؛ هي التمويل، والصيانة، والتوسع المدروس في البنية التحتية المائية الصغيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك