تسعى الحكومة الجديدة في الدنمارك، برئاسة ميتا فريدركسن إلى إعادة صياغة سياسة السجن الاحتياطي للمشتبه فيهم قبل إصدار أحكام قضائية في حقهم، تحت إشراف وزير العدل نيكولاي فامين، ما تعتبره منظمات حقوقية عبئاً على النظام القضائي، وانتهاكاً لمبدأ قرينة البراءة.
وتتضمن الخطة الحكومية الدنماركية بدائل للسجن، أبرزها الإقامة الجبرية مع استخدام السوار الإلكتروني، حيث يُسمح للمشتبه فيهم بالبقاء في منازلهم مع الخضوع لرقابة مشددة بدلاً من دخولهم السجن، وكذلك تشديد معايير التناسب عند تمديد الحبس الاحتياطي بعد ثلاثة أشهر، وفرض توثيق قضائي أكثر صرامة يبرر استمرار الاحتجاز، إلى جانب دراسة إمكانية وضع حد أقصى مطلق لمدة الحبس الاحتياطي في بعض القضايا، وهي خطوة غير مسبوقة في النقاش الدنماركي الحديث.
وتسعى الحكومة أيضاً إلى مراجعة ممارسات النيابة العامة التي تُتهم باللجوء شبه التلقائي إلى طلب السجن الاحتياطي، ما يجعل قرار السجن المؤقت إجراءً روتينياً أكثر منه استثناء.
ورغم اعتبار الدنمارك" مجتمعاً قانونياً آمناً"، فهي تُسجّل استخداماً مرتفعاً نسبياً لعقوبة السجن الاحتياطي مقارنة مع بقية دول الشمال الأوروبي، سواء على صعيد عدد المحتجزين قبل المحاكمة أو مدة احتجازهم.
وتطبق البلاد نظاماً يختلف عن جيرانها، مثل السويد والنرويج وفنلندا، على صعيد طول فترة السجن، ما يجعلها أقرب إلى النماذج الأوروبية الأعلى استخداماً للاحتجاز المؤقت رغم انتمائها إلى منظومة الشمال الاسكندنافي ذات الطابع الحقوقي الأكثر تقييداً للسجن قبل الإدانة.
وبحسب بيانات أصدرتها النيابة العامة في كوبنهاغن في عام 2024، تراجع عدد حالات الحبس الاحتياطي من نحو 4 آلاف و600 في عام 2018 إلى نحو 3 آلاف و300 خلال عام 2023، لكن متوسط مدة الاحتجاز ارتفع بشكل ملحوظ من 3.
3 أشهر إلى 5.
6 أشهر، بزيادة نحو 70%.
وتشير التقارير إلى أن الجرائم الخطيرة، مثل القتل والحرق المتعمد والاتجار بالمخدرات، تشكل النسبة الكبرى من حالات الاحتجاز الطويل، وغالباً ما يُبرر السجن بخطر التأثير على الشهود أو تعطيل التحقيقات.
كما أظهرت دراسات ميدانية عدة أن 44% من وقت إجراءات السجن في المرحلة الأولى يُستنزف في التحقيقات وتقديم الاتهامات، بينما يذهب الجزء المتبقي في الإجراءات القضائية والتنظيمية.
ويرحّب المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان بالمبادرة الحكومية، ويعتبرها" خطوة إيجابية" نحو تقليل استخدام السجن الاحتياطي، والذي يُعدّ من المنظور الحقوقي إجراءً قاسياً في حق أشخاص لم تثبت إدانتهم بعد.
ويقول المحامي هيليا راتز لـ" العربي الجديد" إن" تشديد متطلبات تبرير الحبس الاحتياطي بعد 90 يوماً من الاحتجاز أمر منطقي، لكن الإصلاحات المقترحة لا تقدم تغييراً جذرياً، خصوصاً أن استخدام السوار الإلكتروني كان متاحاً جزئياً ضمن القانون في السابق، وإن لم يرد استخدامه في نص واضح".
ويؤكد راتز أن" المشكلة لا تكمن فقط في القانون، بل في الثقافة القضائية والنيابية التي تميل إلى جعل الاحتجاز خياراً افتراضياً، ما يؤدي إلى تمديد فترات السجن المؤقت بشكل متكرر".
وفي فبراير/ شباط الماضي، أقر البرلمان الدنماركي السابق (انتُخب برلمان جديد في مارس/ آذار الماضي) إصلاحاً جنائياً شاملاً تضمن تقليص فترات الحبس الاحتياطي في عدد من القضايا، مع إدخال بدائل مثل الرقابة الإلكترونية، لكن تأثير التعديلات لم يظهر بصورة فعلية بسبب حداثة تطبيقها.
وحددت تلك التعديلات سقف خمسة أشهر حبس احتياطي للقضايا التي تقل عقوبتها عن ست سنوات، و10 أشهر لتلك الأشد خطورة، مع السماح بالتمديد فقط في ظروف استثنائية.
رغم ذلك، لا يزال الحبس الاحتياطي يشكل عبئاً كبيراً على نظام السجون ورعاية النزلاء، إذ يشكل المحتجزون قبل المحاكمة نحو ثلث نزلاء السجون في الدنمارك، في ظل بنية تحتية قديمة ومكتظة تعود بعض مرافقها إلى أكثر من قرن مضى.
وتثير أوضاع المحتجزين قلقاً متزايداً، إذ يحصل السجناء المدانون على زيارات وحقوق تواصل أفضل مقارنة مع الموقوفين احتياطياً الذين لا تتجاوز زياراتهم نصف ساعة أسبوعياً في بعض الحالات.
كما يعاني العديد من المحتجزين من عزلة شبه كاملة، ويقضون ما يصل إلى 23 ساعة يومياً في زنزاناتهم بسبب الاكتظاظ، وهو ما يصفه حقوقيون، من بينهم راتز، بأنه" أحد أشكال السجن الانفرادي غير المباشر".
ويحذر خبراء في القانون وحقوق الإنسان من أن هذه الظروف قد تنتهك المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان، خصوصاً المادة 14 المتعلقة بعدم التمييز في المعاملة.
ورغم اعتراف الحكومة بأن السجن الاحتياطي إجراء مكلف ويستنزف الموارد، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنه" ضروري في بعض القضايا لضمان سير العدالة ومنع الهروب أو التأثير على التحقيقات"، لكن الجدال لا يزال ثائماً بين من يرى ضرورة تقليصه لحماية حقوق الأفراد، ومن يعتبره أداة أساسية في النظام القضائي.
في المحصلة، تعكس الخطوة الدنماركية محاولة لإعادة التوازن بين متطلبات الأمن وبين العدالة وحقوق الإنسان، في نظام قضائي يواجه ضغوطاً متزايدة من بينها الاكتظاظ، وطول مدد الاحتجاز، مع الحاجة الملحة إلى إصلاح بنيوي أعمق في فلسفة السجن قبل المحاكمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك