لم تكن الشمس قد أشرقت بالكامل بعد، فيما كانت أصوات محركات الشاحنات الصغيرة وأحاديث عمال اليومية تتردد في الأزقة الترابية لبلدة" ميان آباد" التابعة لمدينة إسلام شهر، جنوب غربي طهران.
تستيقظ زهرة، وهي امرأة تبلغ من العمر 45 سنة، عند الساعة السادسة صباحاً كل يوم داخل منزل ذي جدران أسمنتية وسقف من صفائح الحديد، بينما يتوجه زوجها عباس إلى إحدى ساحات تجمع العمال في" أحمد آباد مستوفي" أو" واوان" أو" جهار دانغه"، حيث ينتظر عشرات العمال يومياً على أمل العثور على فرصة عمل ليوم واحد فقط.
في تقرير نشرته" بي بي سي فارسي"، يرصد الصحافي علي رمضانيان كيف تحولت ظاهرة السكن على هامش المدن في إيران إلى واحد من أبرز تجليات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها ملايين الإيرانيين، في ظل التضخم المزمن، وأزمة السكن، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع فرص العمل.
قبل أكثر من 20 عاماً اضطرت زهرة وعباس إلى مغادرة إحدى القرى الواقعة في أطراف مدينة ساوه والهجرة إلى طهران، بسبب الجفاف وشح المياه وانهيار النشاط الزراعي.
واستقرا في البداية في حي" نازي آباد" بجنوب العاصمة طهران.
في تلك السنوات، كان عباس يعمل في قطاع البناء، وكان دخله يبدو كافياً لتأمين متطلبات الحياة في جنوب طهران.
غير أن إصابته بمرض كلوي، إلى جانب التراجع التدريجي في دخله والارتفاع المتواصل في بدلات الإيجار، دفعت الأسرة تدريجاً نحو أطراف المدينة.
فانتقلت أولاً إلى إسلام شهر، ثم إلى حي ميان آباد، لتصبح في نهاية المطاف جزءاً من سكان الهوامش.
تقول زهرة بصوت تختزن نبراته إرهاق سنوات طويلة" كنا نظن في كل عام أن أوضاعنا ستتحسن، لكنها لم تتحسن أبداً.
انتقلنا من نازي آباد إلى إسلام شهر، ومن إسلام شهر إلى ميان آباد.
واليوم لم يعد هناك مكان أدنى من هذا يمكن أن نلجأ إليه.
وإذا فقدنا هذا المنزل أيضاً، فنحن لا نعرف حقاً إلى أين سنذهب.
حتى قريتنا التي جئنا منها لم يعد فيها ما يستحق العودة إليه".
ولا تمثل قصة زهرة وعباس حالة فردية، بل تعكس واقع آلاف الأسر الإيرانية التي دفعتها، خلال العقدين الماضيين، الضغوط المتزامنة الناجمة عن التضخم المزمن، وأزمة السكن، والبطالة، والجفاف، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية، إلى الخروج من المدن والعيش على هوامشها.
ولم تعد ظاهرة السكن في أطراف المدن قضية محلية أو مشكلة تقتصر على عدد محدود من الأحياء والمناطق، بل تحولت إلى أزمة واسعة النطاق تمتد من أحزمة الفقر المحيطة بطهران ومشهد والأحواز، وصولاً إلى كرج وزاهدان وبندر عباس.
ودفعت ملايين الإيرانيين إلى مناطق تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الحد الأدنى من الخدمات والمرافق الأساسية اللازمة لحياة كريمة.
متى بدأت ظاهرة السكن على هامش المدن؟يرجع كثير من الباحثين بدايات تشكل المساكن غير الرسمية وظاهرة السكن على هامش المدن في إيران إلى ستينيات القرن الماضي، خلال عهد الدولة البهلوية الثانية، تزامناً مع تنفيذ برنامج الإصلاح الزراعي، وهي المرحلة التي شهدت تحولات عميقة في البنية التقليدية للاقتصاد الريفي، وأدت إلى انطلاق موجة واسعة من الهجرة نحو المدن.
وقبل تطبيق الإصلاح الزراعي، كان نحو ثلث سكان إيران يقيمون في المدن.
غير أن تقلص فرص العمل في المناطق الريفية، إلى جانب تركز الخدمات والأنشطة الصناعية في المدن الكبرى، أسهما في تسارع وتيرة الهجرة الداخلية.
ولم يكن كثير من الوافدين الجدد قادرين على تأمين مساكن ضمن النسيج الحضري الرسمي، مما أدى إلى ظهور النوى الأولى للمساكن غير الرسمية في أطراف المدن الكبرى.
ويشير علماء الاجتماع، عادة، إلى ثلاث موجات رئيسة أسهمت في اتساع ظاهرة السكن على هامش المدن في إيران.
تشكلت الموجة الأولى من ظاهرة السكن على هامش المدن خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين أدت الإصلاحات الزراعية، والنمو الاقتصادي غير المتوازن القائم على العائدات النفطية، وتركيز فرص العمل في المدن الكبرى، إلى موجة واسعة من الهجرة الريفية نحو المدن.
وخلال تلك المرحلة، توسعت أحياء مثل" خاك سفيد" و" جوادية" في طهران، إلى جانب تجمعات سكنية مشابهة في مدن مشهد وأصفهان والأحواز.
أما الموجة الثانية، فقد برزت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
فقد دفعت الحرب الإيرانية - العراقية، التي استمرت ثمانية أعوام، وما خلفته من دمار في المناطق الحدودية ونزوح واسع للسكان، آلاف الأسر إلى الهجرة.
وفي الوقت نفسه، أدى النمو السكاني المتسارع، واستمرار الهجرة الداخلية، وتدفق المهاجرين، إلى اتساع أحزمة الفقر المحيطة بالمدن.
لكن كثيراً من الخبراء يرون أن الموجة الثالثة، والأهم في مسار اتساع ظاهرة السكن على هامش المدن، بدأت منذ العقد الثاني من الألفية الجديدة، مع تصاعد تأثير العقوبات الاقتصادية، وانهيار قيمة الريال، واستفحال التضخم المزمن، واستمرار الركود الاقتصادي، والقفزات الكبيرة في أسعار المساكن، وهي عوامل أعادت تشكيل ملامح الظاهرة بصورة مختلفة.
فعلى خلاف المراحل السابقة، حين كان معظم سكان الهوامش من المهاجرين القادمين من المناطق الريفية، شهدت هذه المرحلة انتقال فئات جديدة من قلب المدن إلى أطرافها، من العمال والموظفين والمعلمين إلى الأسر التي فقدت القدرة على دفع الإيجارات أو امتلاك مساكن، فوجدت نفسها مدفوعة إلى هوامش المدن.
وإلى جانب العوامل الاقتصادية، لعبت موجات الجفاف المتعاقبة دوراً مهماً في تسريع هذا المسار.
ففي محافظات مثل سيستان وبلوشستان وكرمان وخراسان ويزد، أدى تراجع الموارد المائية وانخفاض العائدات الزراعية إلى دفع أعداد كبيرة من السكان إلى مغادرة مناطقهم الأصلية.
وأسهمت سياسات توطين العشائر الرحل التي اتبعت خلال العقود الماضية في انتقال جزء من السكان البدو إلى أطراف المدن.
ويرى عالم الاجتماع حسين قاضيان، أن ظاهرة السكن على هامش المدن في إيران تتخذ بعدين مختلفين، إذ يقول إن" هناك نوعاً يتمثل في التهميش الجغرافي، ويشير إلى السكن في محيط المدن الكبرى، ويرتبط عادة بالحرمان الاقتصادي والثقافي والخدمي.
أما النوع الآخر فهو التهميش الاجتماعي، الذي يظهر على المستوى الوطني ويشمل مناطق حرمت من التنمية المتوازنة لأسباب اقتصادية أو قومية أو دينية أو سياسية".
ويمكن إدراج مناطق مثل إقليم الأحواز وسيستان وبلوشستان ضمن الأمثلة التي تجسد هذا النمط من التهميش الممنهج.
وبحسب قاضيان، فإن العامل الاقتصادي يبقى المحرك الأبرز لاتساع هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة، مضيفاً أن" أهم أسباب السكن على هامش المدن، في إيران كما في سائر أنحاء العالم، تتمثل في اللامساواة واتساع الفجوة الطبقية.
فعندما يفقد الأفراد القدرة المالية على العيش داخل المدن، يجدون أنفسهم مضطرين إلى الانتقال إلى أطرافها.
ومنذ ستينيات القرن الماضي وحتى ما قبل الثورة، كانت الهجرة تتجه أساساً من الريف إلى المدينة، لكن منذ ثمانينيات القرن الماضي ظهر شكل جديد من التهميش، يتمثل في دفع سكان المدن أنفسهم إلى هوامشها".
ويشير قاضيان إلى أن المدن المحيطة بطهران، مثل بارند وبرديس وإسلام شهر ورباط كريم، تمثل نماذج حديثة لهذه الظاهرة، إذ يعمل سكانها في العاصمة، لكن ارتفاع كلف السكن يجبرهم على الإقامة في أطرافها.
من جانبه يصف عالم الاجتماع سعيد مدني، في كتابه" النار الخامدة"، السكن على هامش المدن بأنه أسلوب حياة لا يمكن اعتباره حضرياً بالكامل، ولا ريفياً، ولا حتى عشائرياً.
فبحسب رأيه، يعيش سكان الهوامش داخل المدن، لكنهم لم يتمكنوا، لأسباب متعددة، من الاندماج في الاقتصاد الرسمي والاستفادة من الخدمات الحضرية.
ويرى مدني أن كثيراً من التجمعات السكنية الهامشية تشترك في سمات متشابهة، من أبرزها ارتفاع نسبة الشباب، واتساع العمل في القطاع غير الرسمي، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم، وانتشار مهن مثل البيع المتجول، ونقص المرافق الثقافية والترفيهية، وضعف البنية التحتية الصحية، فضلاً عن الكثافة السكانية المرتفعة داخل الوحدات السكنية الصغيرة.
لا يوجد توافق في شأن العدد الحقيقي لسكان المناطق الهامشية في إيران.
ففي عام 2017، أعلن المدير العام لمكتب هيئة التجديد الحضري الوطنية التابعة لوزارة الطرق والتنمية العمرانية أن نحو 30 في المئة من سكان المدن الإيرانية يعيشون في مناطق هامشية.
وفي عام 2019، قدرت الأمانة العامة للهيئة نفسها عدد سكان هذه المناطق بنحو 21 مليون نسمة.
وفي عام 2020، أفادت وزارة الطرق والتنمية العمرانية بوجود نحو 26 مليون شخص يقيمون في المساكن غير الرسمية، والأحياء المتهالكة، والمناطق الحضرية غير الفاعلة.
غير أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة العدد الإجمالي لسكان الهوامش، نظراً إلى اختلاف التعريفات المعتمدة لمفهوم السكن على هامش المدن.
في المقابل، طرح بعض المسؤولين المحليين خلال السنوات الأخيرة تقديرات أقل بكثير، تراوحت ما بين سبعة وثمانية ملايين نسمة.
وفي هذا السياق، قدر عبدالرضا كلبايكاني، نائب وزير الطرق والتنمية العمرانية، عدد سكان المناطق الهامشية في إيران بنحو سبعة ملايين شخص، مدعياً أن إيران تتمتع بوضع أفضل من كثير من دول العالم من حيث معدلات السكن على هامش المدن.
ويرى عالم الاجتماع حسين قاضيان أن السبب الرئيس وراء هذا التباين في الأرقام يعود إلى اختلاف تعريف الظاهرة نفسها، إذ يقول إنه" كلما كان التعريف أكثر ضيقاً، انخفض عدد سكان المناطق الهامشية.
فكثير من المناطق التي يرى الخبراء أنها تنطبق عليها خصائص السكن على هامش المدن، تصنف في الإحصاءات الرسمية ضمن المناطق الحضرية العادية".
وعلى خلاف ما يطرحه بعض المسؤولين الحكوميين، يؤكد قاضيان أن الظاهرة لم تتراجع خلال السنوات الأخيرة، بل اتسعت رقعتها بصورة أكبر.
ويقول قاضيان إن" منذ العقد الثاني من الألفية الجديدة، أدى غياب النمو الاقتصادي، واتساع فجوة اللامساواة، والقفزات الكبيرة في أسعار المساكن، إلى تفاقم ظاهرة السكن على هامش المدن بدلاً من انحسارها.
واليوم، أصبح السكن العامل الأكثر تأثيراً في اتساع هذه الظاهرة.
فعندما تفقد الأسرة قدرتها على العيش داخل المدينة، تجد نفسها، في نهاية المطاف، مدفوعة إلى أطرافها".
ما جذور أزمة السكن على هامش المدن؟تطرح أسباب متعددة لتفسير اتساع ظاهرة السكن على هامش المدن في إيران، إلا أن الفجوة العميقة بين الارتفاع المتواصل في أسعار المساكن والقدرة الشرائية للأسر تبقى واحدة من أبرز العوامل التي تدفع العائلات إلى مغادرة النسيج الحضري الرسمي والاستقرار في أطراف المدن.
كما تعد أزمة المياه والهجرة البيئية القسرية من بين الأسباب الرئيسة الأخرى التي أسهمت في تفاقم هذه الظاهرة.
فقد أدت موجات الجفاف الشديدة والمتواصلة إلى استنزاف الموارد المائية في المحافظات الشرقية والوسطى من البلاد، ما جعل النشاط الزراعي غير مجد من الناحية الاقتصادية.
وكانت محافظات مثل سيستان وبلوشستان وخراسان رضوي وخراسان الجنوبية وكرمان وساوه، من أكثر المناطق تأثراً بهذه التحولات.
غير أن الهجرة إلى المدن لا تعني دائماً العثور على فرص أفضل للعيش.
فالكثير من سكان القرى الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بسبب الجفاف أو البطالة أو الفقر، يجدون أنفسهم في مواجهة كلف باهظة للسكن والإيجارات في المدن، مما يدفعهم، في نهاية المطاف، إلى الاستقرار في المناطق الهامشية وأحزمة الفقر المحيطة بالمراكز الحضرية.
بين البطالة والفقر والجريمةتعرف الحياة في أطراف المدن، قبل كل شيء، بحالة من الهشاشة الاقتصادية وعدم الاستقرار.
فاقتصاد هذه المناطق يعتمد بصورة رئيسة على الأعمال غير الرسمية، وهي وظائف تفتقر إلى الأمان الوظيفي والتأمين، ولا توفر أي أفق واضح للمستقبل.
وتعد العمالة اليومية، والبيع المتجول، وجمع النفايات القابلة لإعادة التدوير، ونقل البضائع، والعمل على الدراجات النارية أو بالمركبات الخاصة، إضافة إلى العمل في الورش الصغيرة غير المشمولة بالتأمين، من أبرز مصادر دخل سكان هذه التجمعات السكنية الهامشية.
وفي كثير من الأسر، لا يكون الدخل شهرياً بل يومياً، بمعنى أن عدم حصول أحد أفراد الأسرة على عمل ليوم واحد قد يعني العجز عن تأمين جزء من نفقات المعيشة في ذلك اليوم.
يقول أحد المتخصصين الاجتماعيين في جنوب طهران، إنه" في بعض الأسر، تعيش ثلاثة أجيال داخل وحدة سكنية صغيرة في مناطق متدنية الخدمات جنوب طهران.
وكثير من هذه العائلات تعيش في الفقر منذ عقود، من دون أن تتمكن من كسر هذه الدائرة.
كما نشاهد أعداداً كبيرة من الأطفال الذين يتركون مقاعد الدراسة للعمل من أجل المساهمة في إعالة أسرهم".
وفي الواقع، تعني الحياة في هذه المناطق العيش ضمن ما يسمى" اقتصاد بلا أمان"، حيث تبدو مفاهيم مثل التأمين الصحي، والتقاعد، وعقود العمل، وشبكات الحماية الاجتماعية، بعيدة من حياة كثير من السكان ولا تحمل معنى ملموساً بالنسبة إليهم.
وتشهد هذه المناطق وقوع جرائم مختلفة، من بينها السرقات، وعمليات السلب بالقوة، والجرائم المرتبطة بالمخدرات، وحتى بعض الاشتباكات المسلحة وغيرها من المظاهر الأمنية.
غير أن ذلك لا يعني أن الجريمة تقتصر على المناطق الهامشية أو أن سائر المناطق الحضرية بمنأى عنها، إلا أن عدداً كبيراً من الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم خلال السنوات الأخيرة بتهم مرتبطة بهذه الجرائم كانوا يعانون الفقر والحرمان، وكان كثير منهم ينحدرون من مناطق هامشية أو من أحياء أقل حظاً في طهران.
وبحسب ما أفاد به أحد ضباط الشرطة برتبة عقيد، فإن نسبة المتهمين القادمين من المناطق الفقيرة والهامشية كانت أعلى في بعض القضايا الجنائية.
ويرى متخصصون أن اتساع رقعة المشكلات الاجتماعية في عديد من المناطق الهامشية يرتبط بصورة مباشرة بالفقر والبطالة وضيق فرص التقدم الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يقول حسين قاضيان إنه" حين يشعر الأفراد بأنهم عاجزون عن تحقيق مطالبهم المشروعة عبر الطرق القانونية والطبيعية، تتزايد احتمالات ظهور المشكلات الاجتماعية.
فالجريمة تنمو عادة في البيئات التي تغلق فيها السبل المشروعة للوصول إلى الأهداف.
ومن جهة أخرى تتحول بعض المناطق الهامشية، بسبب ضعف الرقابة وخصوصياتها الجغرافية، إلى ملاذ تختبئ فيه الجماعات الإجرامية، في ظل تراجع الحضور الأمني الفاعل فيها".
أما عالم الاجتماع أمان الله قرائي مقدم، فقد وصف هذه الحالة، في مقابلة مع موقع" تجارت نيوز"، بأنها شكل من صور الإقصاء الاجتماعي، قائلاً إن" سكان المناطق الهامشية يشاركون في اقتصاد المدن ويوفرون اليد العاملة الرخيصة، لكنهم لا يحظون باعتراف حقيقي داخل منظومة الرفاه والخدمات الحضرية وشبكات الدعم الاجتماعي.
وهذه الفجوة الاجتماعية يمكن أن تفضي إلى تراكم مشاعر السخط والغضب".
ولا تقتصر معاناة هذه المناطق على الفقر المادي وحده، بل تمتد إلى ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية.
فالمعابر غير المعبدة، وسوء الإنارة، وضعف الخدمات العامة، وتردي الأوضاع الصحية، كلها عوامل تسهم في تدهور جودة الحياة بصورة حادة.
وفي بعض المناطق، مثل مرتضى كرد وقلعة حسن خان، لا تزال مجاري الصرف الصحي المكشوفة وتراكم النفايات جزءاً من المشهد اليومي، في ظروف تهدد صحة الأطفال وكبار السن على وجه الخصوص.
وفي تقرير أصدره مركز أبحاث البرلمان الإيراني العام الماضي، جرى التحذير من تنامي ظاهرة" المبيت في السيارات"، حيث يضطر أشخاص يعملون في طهران إلى قضاء لياليهم داخل مركباتهم بسبب عجزهم عن توفير مأوى مناسب.
وبرزت ظاهرة" المبيت في القبور" بوصفها إحدى الوسائل القاسية التي يلجأ إليها بعض المشردين لمواجهة واقع التشرد وانعدام المأوى.
حل المساء، وكان عباس هذه المرة أوفر حظاً، إذ تمكن من العثور على بضع ساعات من العمل في أحد مواقع البناء، فلم يعد إلى منزله خالي الوفاض.
ناول زهرة الأوراق النقدية المجعدة التي حصل عليها من عمله اليومي، لتتولى تدبير شؤون البيت بما توفر منها.
تمد زهرة مائدة العشاء، خبز وقليل من الجبن، وكوب من الشاي.
وجبة بسيطة تحولت منذ سنوات إلى ضيف دائم على مائدة هذه الأسرة.
أما ابنهما، فلا تبدو لديه شهية للطعام.
فمنذ أشهر وهو يبحث عن عمل من دون جدوى، لكنه، على رغم ذلك، لم يتخل بعد عن حلم العثور على وظيفة مستقرة تحفظ له بعضاً من كرامته ومستقبله.
ولا تمثل قصة عباس وزهرة استثناء، بل تعكس واقع ملايين الإيرانيين الذين دفعتهم، خلال السنوات الأخيرة، ضغوط التضخم والبطالة وارتفاع كلف السكن وتراجع القدرة الشرائية، إلى الانتقال من قلب المدن إلى هوامشها.
ولم تعد ظاهرة السكن على هامش المدن مجرد عدد من المنازل المتهالكة عند أطراف المدن الكبرى، بل أصبحت صورة مكثفة للفجوة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تتسع يوماً بعد يوم.
قد يجد عباس عملاً مجدداً في الغد، وقد يعود إلى منزله خالي اليدين، لكن القضية تتجاوز يوم عمل أو مصير أسرة واحدة.
إنها تتعلق بمستقبل جيل كامل ينشأ في هوامش المدن، أطفال يجد كثير منهم أنفسهم مضطرين إلى دخول سوق العمل والمساهمة في إعالة أسرهم، قبل أن تتاح لهم فرصة الحلم أو التفكير في مستقبل مختلف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك