يمثل الاستثمار في التكنولوجيا الفلاحية اليوم أحد أهم رهانات التحول الاقتصادي في القطاع الفلاحي باعتباره وسيلة لتحسين الإنتاج وأداة لتعزيز الأمن الغذائي ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني في مواجهة التغيرات المناخية والضغوط على الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، شكل “يوم الشراكة بين الشركات الناشئة والمستثمرين الفلاحيين”، الذي نظمته وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية تحت شعار “الاستثمار في التكنولوجيا من أجل فلاحة قادرة على الصمود”، خطوة عملية نحو بناء منظومة تربط الابتكار بالاستثمار والإنتاج.
وجمع هذا الحدث 20 شركة ناشئة تونسية متخصصة في التكنولوجيا إلى جانب 200 فاعل ومستثمر فلاحي من مختلف جهات البلاد في لقاءات ثنائية تستهدف تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشاريع اقتصادية قابلة للتطبيق، بما يعزز القيمة المضافة للقطاع الفلاحي ويخلق فرصا جديدة للنمو والاستثمار.
الابتكار ومردودية الاستثمار الفلاحييشكل إرساء روابط مباشرة وعملية بين الشركات الناشئة والفلاحين الحلقة المفقودة في منظومة الابتكار الفلاحي بحكم ان الكثير من الحلول الرقمية والتكنولوجية تبقى حبيسة المختبرات أو المؤسسات الناشئة بسبب غياب قنوات النفاذ إلى المستثمرين والمستغلين الفلاحيين، وهو ما يحد من أثرها الاقتصادي.
ولهذا ركزت التظاهرة على خمسة مجالات استراتيجية تتمثل في التكنولوجيات الفلاحية، والتكنولوجيات البيئية، وتكنولوجيات صحة التربة، والتجديد التقني في تغذية الحيوان، إضافة إلى التكنولوجيات الحديثة في تربية الأحياء المائية والصيد البحري، وهي مجالات ترتبط مباشرة بالتحديات الهيكلية التي تواجه القطاع.
وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن الزراعة الذكية مناخيا يمكن أن ترفع الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 20 و30% في العديد من الأنظمة الزراعية، مع تحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية وخفض المخاطر المرتبطة بالمناخ، وهو ما يجعل الاستثمار في التكنولوجيا استثمارا في القدرة المستقبلية للاقتصاد الزراعي.
تحول الحلول الذكية إلى تطبيقات ميدانيةيفرض القطاع الفلاحي التونسي اليوم تحديات متشابكة تشمل التغيرات المناخية، واستدامة أنظمة الإنتاج، وحسن إدارة الموارد المائية، والمحافظة على صحة التربة والثروة الحيوانية، فضلا عن تحسين مسالك التسويق وضمان استمرارية تزويد الأسواق بالمنتجات الفلاحية.
وفي هذا الإطار، تكتسب عملية تحويل الابتكارات إلى حلول ملموسة على أرض الواقع أهمية اقتصادية كبيرة، لأن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا لا تقاس بعدد التطبيقات المطورة، وإنما بقدرتها على تحسين الإنتاجية وتقليص الكلفة وتعزيز المردودية.
وتؤكد التجارب الدولية أن تقنيات الري الذكي والاستشعار عن بعد والرقمنة والذكاء الاصطناعي أصبحت أدوات أساسية لإدارة الموارد الزراعية.
وتشير بعض الدراسات إلى أن أنظمة الري الذكي يمكن أن تخفض استهلاك المياه بنسبة قد تصل إلى 30% مع الحفاظ على مستويات الإنتاج أو تحسينها، وهو مكسب بالغ الأهمية بالنسبة لدولة تعاني ضغوطا متزايدة على مواردها المائية.
هذا وأكد وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ أن هذه المبادرة تمثل فرصة لبناء شراكات فاعلة قوامها الابتكار والاستثمار الذكي، داعيا أصحاب المؤسسات الفلاحية والمهنيين إلى الانخراط في المشاريع التي توظف التكنولوجيا الحديثة في خدمة الفلاحة والصيد البحري وخدمات التحويل الأولي.
وأوضح أن الشركات الناشئة أثبتت قدرتها على تقديم حلول مبتكرة في مجالات ترشيد استعمال الموارد المائية، والري الذكي، وتحسين الإنتاجية وجودة المنتوج، والرقمنة والذكاء الاصطناعي في الخدمات الفلاحية، إضافة إلى تثمين المنتجات وربطها بالأسواق، وهي عناصر تمثل اليوم ركائز الاقتصاد الزراعي الحديث.
كما تعمل الوزارة، بالتنسيق مع مختلف هياكلها وشركائها، على دعم المبادرات الرائدة وتشجيع الاستثمار الخاص وتعزيز العلاقة بين البحث العلمي والتطبيق الميداني بما يرسخ منظومة فلاحية مستديمة وقادرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية والمناخية.
الحوافز الاستثمارية تفتح آفاقا أمام الشركات الناشئةتسعى وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية إلى تحويل العلاقات التي نشأت خلال هذا اللقاء إلى شراكات عملية على المديين القريب والمتوسط، بما يسمح بخلق مشاريع إنتاجية ذات قيمة مضافة.
وأوضحت المديرة العامة للوكالة أنجي الدقي أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة الإحاطة والمرافقة لفائدة الشركات الناشئة، مستفيدة من المقتضيات التي يتيحها قانون الاستثمار عدد 71 لسنة 2016، والذي يمنح المستثمرين الذين يعتمدون الحلول الذكية امتيازات وحوافز قد تصل إلى 50% من قيمة الاستثمار.
كما ترافق الوكالة سنويا نحو 15 مؤسسة، بينما يجري حاليا تأطير حوالي 50 مؤسسة ناشئة موجهة للقطاع الفلاحي بهدف مساعدتها على النفاذ إلى الأسواق والتمويل وإبرام اتفاقيات شراكة، من بينها تعاون مع المعهد الوطني للزراعات الكبرى والمركز الفني للتمور لتجربة تقنيات حديثة مثل الري الذكي.
وتكشف هذه المؤشرات أن مستقبل الفلاحة التونسية يرتبط بالتأكيد بتطور بحجم الأراضي أو الموارد الطبيعية، غير انه يرتبط كذلك وبشكل حاسم بقدرتها على استثمار المعرفة والتكنولوجيا والابتكار لبناء نموذج إنتاجي أكثر كفاءة واستدامة، يجعل من الاقتصاد الفلاحي أحد محركات النمو والتنمية خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك