لم يكتب نجيب محفوظ أيّ سيناريو لرواياته، وهو «السيناريست المحترف»؛ بل كان له موقف متحفّظ من إخراجها كما أشير لاحقا.
وهي روايات تنهض مثالا لافتا للتقنية الروائيّة العالية التي تتميّز لا باستخدام اللغة السرديّة فحسب، وإنّما أيضا الصور المرئيّة أو ما يسمى «أيقنة الصورة».
وقد رجح لديّ، وأنا أقرأ هذه الروايات ثانية بعد أن قرأتها منذ سنوات بعيدة، أنها فعلا مادّة غنيّة لسيناريو سينمائي محكم.
صحيح أنّ هناك فروقا وظلالا خفيّة بين عالمي الأدب الروائي والسينما: فالأول إيهامي داخليّ، والثاني طبيعيّ خارجيّ، والرواية تظلّ مسرودة في صيغة الماضي، حتى إن توخّى صاحبها صيغة المضارع؛ في حين أنّ السيناريو يُكتب في المضارع أو بتعبير أدقّ في «الحال»، كما كان يسمّى قديما (لأنّ دلالة المضارع في الأصل دلالة استقبال).
وهذا الحال أو المضارع يتواصل حتى عندما يكون هناك «فلاش باك»، إذ تصطحب الكاميرا المتفرّج إلى الماضي ليشاهده وهو يحدث.
صحيح أنّ الزمن في السينما لا ينفصل أبدا عن المكان، فلابدّ أن تتّخذ الشخصيّة مكانا لها (إلا في الفيلم التجريبي حيث بإمكان المخرج أن يحيط شخصيته بحيّز أبيض مسطّح).
وأمّا في الأدب الروائي فالفصل ممكن، ويستطيع الكاتب أن يستبعد عنصر المكان من السرد؛ كلّما كان هدفه استيعاب تجربة الشخص النفسيّة مثلا، ولكن على الرغم من هذه الفروق وغيرها وهو كثير؛ فإنّ كُلاّ من الروائي وكاتب السيناريو، يستخدم لغة مرئيّة «تقلب السمع بصرا»، أو هي تخاطب العين على قدر ما تخاطب الإذن، وتتيح له أن يرى الحدث أو المنظر؛ وهو يُكتب ويُفصّل من خلال الحركة والحوار.
وهذا الأداء «السينمائي» هو الذي يميّز أكثر روايات محفوظ؛ إذ يتوخّى الكاتب أسلوبا أقرب ما يمكن إلى السيناريو، سواء في تغيير التتابع الزمني للأحداث وقطع تدفّقها، أو في معالجة المكان والزمان، حيث يحكم الانتقال من مكان إلى آخر، ويضغط الزمن أو يمدّه؛ كلّما لزم.
والحفاوة بالمكان عنده متخيّر سيميولوجي، ينطوي على دلالات حضاريّة وثقافيّة واجتماعيّة؛ وهي السمة الفارقة في رواياته، وإن مازجتها الخصائص الطبيعيّة والمعماريّة، بأقوى الوشائج.
والحقّ أنّني أكاد لا أجد من صرف نظره إلى «المدينة» على هذا النحو اللافت عند محفوظ؛ حيث التوازي قائم بين «الواقعي» و«التجريبي» والانتقال من نصّ «واقعيّ» إلى آخر «تخيّليّ»، أو من هذا إلى ذاك.
وكأنّ الكاتب يستشعر لذة شيطانيّة في أداء اللعبة السرديّة من حيث هي فعل جماليّ حكائيّ، وكشف أسرارها في الآن ذاته.
وهو على قدر ما ينقل الوقائع والأحداث من منظور الراوي من الخارج، ينقلها من منظور الراوي من الداخل.
وكأنْ لا موضوع للرواية، وهي تنبني لتتهدّم وتنهدّم لتنبني، إلاّ الرواية ذاتها، أو أنّ «المؤلّف» يقول من فصل إلى آخر، إنّه يحكي قصّة على قدر ما يكتب قصّة.
هذه «الكتابة السينمائيّة» ترجع في ما أرجّح إلى طفولة محفوظ فشبابه وكهولته؛ إذ بدأت علاقته بالسينما وهو في سنّ الخامسة، في سينما الكلوب المصري.
وكان أيّام السينما الصامتة (بالأبيض والأسود) شغوفا بمتابعة أفلام شارلي شابلن وماكس ليندر.
ثمّ اقترب من هذا المجال أكثر، إذ أخرج له حسن الإمام «بين القصرين»؛ وتعاقد معه على «قصر الشوق» و«السكريّة».
ثمّ شغل منصب رئيس صندوق دعم السينما؛ طوال فترة وزارة ثروت عكاشة (1958-1966).
وكان منه أن طلب تأجيل تنفيذ إخراج «قصر الشوق» و«السكريّة» خجلا كما يقول «لأنّني أخجل من إنتاج قصص لي عن طريق مؤسّسة دعم السينما وأنا رئيس لها»؛ لكن رُفض طلبه.
ثمّ كان أن قرأ المخرج صلاح أبو سيف «عبث الأقدار» فدخل إلى عالم السينما بصفة سيناريست.
وقد علّمه أبو سيف فنّ كتابة السيناريو، ومدّه بمجموعة كتب عن هذا الفنّ؛ ووجد هو ضالّته في أخرى اقتناها، حتى أتقنه.
ورغم الكسب المادّي كما يقول، فقد كان يشعر ببعض الضيق في عمله الجديد، إذ تعوّد في الأدب أن يكون حرّا يمضي بالأحداث والشخصيّات طبقاً لرؤيته الخاصّة، أمّا في السينما وهي عمل جماعي (منتج وموزّع ومخرج وممثلون)، فهو محكوم بأهداف مختلفة منها ما هو فنّي وما هو تجاري…«والحقيقة أنّ (حلاوة) المكسب المادي جعلتني أتغاضى عن تلك المتاعب وأبلع ضيقي، خاصّة أنّ كتابة سيناريوهات الأفلام لم تعطّلني عن عملي الأساسي وهو الأدب.
فصلاح أبو سيف الذي أعمل معه لم يكن يخرج سوى فيلم واحد في السنة، ويبدأ عمله في الفيلم خلال الصيف، وكنت أنقطع عن الكتابة في ذلك الفصل من العام بسبب مرض الحساسيّة الذي يصيب عيني في شهور الصيف، فكنت أعمل مع أبو سيف في هذه الشهور، واستغرقتني كتابة السيناريو طيلة الفترة ما بين عامي 1957، وسجّلت اسمي خلالها كسيناريست محترف في نقابة المهن التمثيليّة، وبعد (عنتر وعائلة) توالت أعمال سينمائية أخرى، أذكر منها: (ريّا وسكينة) و(الوحش) و(إحنا التلامذة)».
ولا أخفي أنّ شعورا غامضا، كظلّي ظلّ يرافقني وأنا أعيد قراءته، فكأنّني أقرأ لمؤلّف قد شبع موتا، أو هو وضع على بابه «not at home» أو طلب إليّ ـ أنا القارئ ـ أن لا أقطع عليه خلوته، أو قال لي إنّه [out غير موجود].
وعلى كلّ، فليس يهمّ كثيرا، أن يكون المؤلّف ميّتا أو حيّا؛ فهو يتخفّى بين الحروف والفواصل وعلامات الاستفهام والتعجّب كما في «أولاد حارتنا».
وهل يتجرّأ مخرج مصريّ أو عربيّ ويخرجها لنا؛ لما تتميّز به من الأداء «السينمائي»؛ إذ يتوخّى الكاتب أسلوبا أقرب ما يمكن إلى السيناريو، سواء في تغيير التتابع الزمني للأحداث وقطع تدفّقها، أو في معالجة المكان والزمان، حيث يحكم الانتقال من مكان إلى آخر، ويضغط الزمن أو يمدّه؛ كلّما لزم.
لمحفوظ موقف يعتدّ به في ما أخرج له، مثل «ميرامار» حيث تركّز الفيلم في شخصيّة طلبة بك التي جسّدها يوسف وهبي ببراعة ومهارة، وجعل منها شخصيّة خفيفة الظلّ، قريبة من المزاج الشعبي.
وهذا التركيز قدّمها في صورة وهي صورة الرجعيّ المكروه.
وبما أنّ الفيلم جعل منها شخصيّة طريفة، فتحوّلت بذلك، كما يقول، إلى وسيلة دعاية للرجعيّة.
وما عدا «ميرامار» فهو يحمد التزام المخرجين أمثال صلاح أبوسيف وكمال الشيخ وحسين كمال وعاطف سالم وحسام الدين مصطفى وعلي بدرخان وحسن الإمام، بروح النصّ الأصلي.
على أنّ حسن الإمام التزم إلى «حدّ ما» بروح النصوص، وهي «الثلاثيّة» و«زقاق المدق»، إلاّ أنّه «أخضعها لمدرسته التي تميل إلى الإثارة الحسّيّة والميلودراما، بسبب من نشأته في بيئة «العوالم»؛ حتى بدا السيد أحمد عبد الجواد في «الثلاثيّة» وكأنّه شخص لا همّ له سوى «العوالم» والمتعة الجسديّة».
ومع أنّ محفوظ تعامل أكثر مع صلاح أبو سيف، إذ أخرج له تسعة سيناريوهات؛ كما أخرج من رواياته: «بداية ونهاية» و«القاهرة الجديدة»؛ فإنّ أقرب مخرجي السينما إلى قلبه هو توفيق صالح الذي لم يجمعه به سوى عمل واحد هو فيلم «درب المهابيل».
أمّا علاقته بالموسيقى والغناء، ولهما شأن في أعماله السينمائيّة؛ فقديمة، حتّى أنّه التحق بمعهد الموسيقى العربيّة ودرس فيه عاما كاملا 1933 وهو طالب بالسنة الثالثة في كلّيّة الآداب جامعة فؤاد الأوّل (جامعة القاهرة الآن).
ويقول إنّه لو وجد تشجيعًا؛ لتغيّر مسار حياته واختار طريق الموسيقى وليس الأدب.
وهو يفضّل عبد الوهاب وأم كلثوم، ويقرّ بأنّ اسمهان تميّزت «بصوتها القويّ النادر الذي لا تستطيع أن تجد فيه عيبًا واحدًا، ومع ذلك لم أتعاطف مع هذا الصوت، بالضبط كما تلتقي بشخص جميل ولا تميل نفسك إليه رغم جماله.
وكان إحساسي بصوت شقيقها فريد الأطرش هو نفس الإحساس، فهو يمثل نوعًا من الجمال لا تميل إليه نفسي» بالرغم من إعجابه بالغناء الجبلي الشامي، وخاصّة صباح فخري ووديع الصافي ومن قبلهما فيروز؛ «فصوت فيروز يسحرني ويترك في نفسي تأثيرًا عميقًا».
أقف في خاتمة هذا المقال على ناحية طريفة في سيرة محفوظ، فقد اختاره ثروت عكاشة مديرا للرقابة؛ فقرّر اعتزال كتابة السيناريوهات، ومنع الرشوة في الجهاز الرقابي… ولم تخذله اللجنة التي كان الوزير يأمر بتشكيلها، عند كلّ شكوى، إلاّ مرّة واحدة، عند ظهور الأغنية: «مصطفى يا مصطفى/ أنا بحبّك يا مصطفى/ سبع سنين في العطّارين».
فقد أمر مراقب الأغاني بمنعها، «بأغرب إجابة يمكن أن أسمعها في حياتي» كما يقول محفوظ عندما سأله عن سبب المنع؛ إذ قال له إنّ مؤلّف الأغنية يقصد مصطفى النحّاس وأنّ «سبع سنين» الواردة في الأغنية تشير إلى مرور سبع سنوات على قيام ثورة يوليو 1952.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك