بعض الحرائق لم تكن نتيجة عوامل طبيعية أو إهمال زراعي فحسب، بل قد تكون بفعل فاعل، في سياق تصفية حسابات محلية أو سياسية، أو أعمال انتقامية تستهدف أرزاق المزارعين.
استجابت فرق الدفاع المدني السوري، التابعة لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، منذ بداية حزيران/يونيو وحتى يوم الجمعة، لـ 1982 حريقاً في عموم المناطق السورية، بينها 437 حريقاً طالت محاصيل زراعية، في حصيلة تعكس تصاعداً خطيراً مع ارتفاع درجات الحرارة ودخول البلاد ذروة موسم الحصاد.
والتهمت النيران مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بينها نحو 200 هكتار في ريف الرقة وحده، وسط مخاوف من انعكاس الحرائق على الأمن الغذائي ومصادر رزق المزارعين.
ولا تبدو أسباب الحرائق وفق روايات محلية وشهادات ميدانية، محصورة في موجات الحر وجفاف الأعشاب أو الأعطال الفنية في الحصادات، بل تتداخل معها عوامل الإهمال وسوء إدارة بعض المكبات، فضلاً عن شبهات بإشعال متعمد في مناطق محددة، قد يرتبط بانتقام محلي أو تصفية حسابات سياسية.
وتبرز هذه المخاوف خصوصاً في ريف حماة الشمالي وسهل الغاب، حيث سُجلت حرائق في مناطق ذات حساسية محلية واجتماعية، فيما تشير مصادر أهلية إلى غياب حرائق مماثلة في بعض المناطق المختلطة، الأمر الذي يعزز المطالب بفتح تحقيقات شفافة ومحاسبة المقصرين أو المتورطين.
الرقة: مكب نفايات قرب القمحوتأتي هذه الحرائق في وقت تشهد فيه الكتلة النباتية الموسمية جفافاً متسارعاً بفعل موجات الحر، ما يجعل الحقول والأعشاب اليابسة شديدة القابلية للاشتعال.
وتشير بلاغات الدفاع المدني إلى أن الحرائق لم تقتصر على القمح والشعير، بل طالت محاصيل أخرى، بينها الكمون والعدس والحمص، إلى جانب الأشجار المثمرة والأعشاب اليابسة والمنازل والمحال التجارية والأسلاك الكهربائية.
والخميس 11 حزيران/يونيو، استجابت فرق الدفاع المدني لـ187 حريقاً في عموم سوريا، بينها 31 حريقاً في الحقول والمحاصيل الزراعية، و156 حريقاً متفرقاً في منازل ومحال تجارية وأعشاب وأشجار وقمامة وأسلاك كهربائية.
وأسفرت تلك الحرائق عن إصابة مدني تلقى إسعافات أولية قبل نقله إلى المشفى، بينما اقتصرت أضرار بقية الحرائق على الخسائر المادية.
وفي اليوم نفسه، أخمدت الفرق حريقاً في محاصيل زراعية في بلدة كفريا بريف إدلب، بمساندة الأهالي، ومنعت امتداده إلى مساحات إضافية.
كما اندلع حريق أعشاب ضخم مجهول السبب في مقبرة الكثيب الأثرية في حمص، وامتد إلى الأشجار المحيطة بسور المقبرة.
وشاركت خمس فرق في إخماده على مدى ساعتين ونصف الساعة، قبل تبريد الموقع ومنع تجدد النيران.
أما في الرقة، فقد شهدت منطقة سهلة البنات، الجمعة، أحد أكبر الحرائق الزراعية، إذ اندلعت النيران في حقول مزروعة بالقمح والشعير.
وقالت مصادر محلية إن الحريق بدأ من مكب للنفايات، قبل أن يمتد إلى الأراضي الزراعية بفعل الرياح القوية.
ووفق المعطيات المحلية، التهم الحريق نحو 200 هكتار، أي ما يقارب ألفي دونم من الأراضي المروية المزروعة بالقمح.
وشاركت ثماني فرق إطفاء تابعة للدفاع المدني، بمساندة الأهالي، واستخدمت آليات الإطفاء والجرافات والجرارات لفتح خطوط عزل والحد من توسع الحريق، قبل إخماده بالكامل.
ويفتح حريق سهلة البنات باباً واسعاً على مسؤولية الجهات الحكومية والمحلية عن إدارة مكبات النفايات العشوائية أو غير المؤمّنة، ولا سيما حين تقع قرب أراضٍ زراعية منتجة في ذروة موسم الحصاد.
فإذا ثبت أن النيران امتدت من المكب إلى حقول القمح والشعير، فإن ذلك يشير إلى خلل إداري ورقابي واضح، وإلى غياب إجراءات السلامة التي كان يفترض اتخاذها مسبقاً، خصوصاً أن المنطقة، حسب تحذيرات محلية سابقة، كانت معروفة بخطورة إشعال النيران في المكب واحتمال تمددها نحو الأراضي الزراعية.
وفي بلد يواجه أصلاً تحديات كبيرة في تأمين محصول القمح، تبدو خسارة نحو 200 هكتار من الأراضي المروية في الرقة، نتيجة إهمال قابل للتفادي، ضربة مباشرة للأمن الغذائي ولمصادر رزق المزارعين.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقف عند التحقيق في سبب اندلاع الحريق، بل تمتد إلى مساءلة الجهات التي سمحت باستمرار إحراق مكب النفايات قرب الأراضي الزراعية خلال موسم الحصاد، حيث لا يفصل بين المكب والأراضي المزروعة بالقمح سوى طريق بعرض أربعة أمتار، من دون إجراءات كافية لعزله أو مراقبته أو منع إشعال النيران فيه.
ويطالب مزارعون وناشطون محليون بفتح تحقيق عاجل وشفاف في ملابسات الحريق، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره، وصولاً إلى إقالة المسؤولين الحكوميين والمحليين في الرقة ممن تقع عليهم مسؤولية الإهمال أو التقاعس.
فحرائق من هذا النوع لا تترك خسائر مادية فحسب، بل تعمّق فقدان الثقة بالإدارة المحلية، وتبعث برسالة قاسية إلى الفلاحين الذين ينتظرون موسم الحصاد لتعويض أعوام من الجفاف والحرب وارتفاع تكاليف الإنتاج.
حماة والحسكة: حرائق وشبهاتوفي محافظة الحسكة، التهم حريق مساحات من الأراضي الزراعية التابعة لمنطقة تل براك، بين القامشلي والحسكة، في وقت بدأ فيه المزارعون حصاد محصول القمح، الذي عُوّل عليه هذا العام بعد موسم وُصف بالجيد.
غير أن الخسارة لا تقف عند حدود النيران، بل تمتد إلى استياء واسع من أسعار شراء القمح التي حددتها الحكومة السورية.
وقال أحد المزارعين لـ«القدس العربي» إن الأسعار لا تغطي تكاليف الزراعة والمحروقات والبذار والأسمدة وأجور الحصاد والنقل.
وفي ريف حماة، تكررت الحرائق في مناطق عدة، بينها سهل الغاب وكفرزيتا واللطامنة والهبيط.
فقد اندلع حريق واسع في أراضٍ زراعية بمدينة كفرزيتا، يوم الاثنين الماضي، ما استدعى تدخل فرق الدفاع المدني بمساندة الأهالي، قبل السيطرة عليه والدخول في مرحلة التبريد، حسب رصد «القدس العربي».
كما أخمدت الفرق، بالتعاون مع الأهالي، حريقاً في أرض مزروعة بالبرسيم وأشجار الزيتون في محيط قرية الحواش بمنطقة سهل الغاب غربي حماة.
وفي قرية الشيخ علي كاسون في الريف الشرقي، تمت السيطرة على حريق آخر بجهود مشتركة بين الأهالي والدفاع المدني.
وفي حادثة لافتة قرب الهبيط في منطقة الغاب، اتهم أحد المدنيين، في شريط مصور جرى تداوله على نطاق واسع في ريف حماة الشمالي وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، شابين يستقلان دراجة نارية بإشعال النار عمداً في محصول قمح ثم الفرار من المكان.
وتزيد هذه الرواية، إذا ثبتت صحتها، من المخاوف من أن بعض الحرائق لم تكن نتيجة عوامل طبيعية أو إهمال زراعي فحسب، بل قد تكون بفعل فاعل، في سياق تصفية حسابات محلية أو سياسية، أو أعمال انتقامية تستهدف أرزاق المزارعين.
وتبرز هذه الحادثة الحاجة إلى تحقيقات أمنية وقضائية جدية، لا تكتفي بتسجيل الخسائر وإخماد النيران، بل تلاحق المتورطين المحتملين وتكشف الدوافع والجهات المستفيدة من ضرب المحاصيل الزراعية.
وحتى الآن، لم تُعلن وزارة الداخلية السورية تسجيل اعتقالات لمشتبهين على صلة بهذه الحرائق، على الأقل في محافظات حماة والحسكة والرقة، التي تعرضت لعدد كبير من الحرائق الزراعية.
تحدثت مصادر محلية عن حرائق تسبب بها استخدام حصادات قديمة خلال عمليات الحصاد، كما حدث في سراقب واللطامنة، حيث أدت الشرارات المتطايرة، مع الرياح، إلى انتشار سريع للنيران.
وفي أطراف مدينة سراقب بريف إدلب الشرقي، أخمدت فرق الدفاع المدني حريقاً اندلع في محاصيل زراعية إثر امتداد النيران من حصادة أثناء العمل، وتمكنت، بمساندة الأهالي، من السيطرة عليه ومنع وصوله إلى مساحات إضافية.
وفي دير الزور، أخمدت فرق الدفاع المدني حريقين في محاصيل زراعية، الأول في أرض مزروعة بالقمح في قرية الشيحة، والثاني في أكوام تبن في قرية الخربة ببادية أبو خشب.
كما سجلت محافظة درعا حادثاً منفصلاً، حيث قضى رجل جراء انفجار لغم من مخلفات الحرب أثناء عمله على جرار زراعي شرقي مدينة إنخل، ما أدى إلى اندلاع حريق في الجرار.
واستجابت فرق إزالة مخلفات الحرب ومكافحة الألغام للموقع، وأمنت المنطقة بعد التأكد من عدم وجود إصابات أخرى.
وتكشف البيانات اليومية للدفاع المدني عن وتيرة مرتفعة للحرائق منذ الأيام الأولى من حزيران/يونيو.
فقد استجابت الفرق، 9 حزيران/يونيو، لـ226 حريقاً في عموم سوريا، بينها 63 حريقاً في الحقول والمحاصيل الزراعية.
وفي اليوم التالي، 10 حزيران/يونيو، تعاملت الفرق مع 209 حرائق، بينها عدد مشابه من الحرائق الزراعية، ما يعكس استمرار الخطر على المحاصيل رغم تراجع الحصيلة العامة.
وحسب إحصائيات الدفاع المدني السوري، كانت الفرق قد استجابت، 8 حزيران/يونيو، لـ183 حريقاً، بينها 48 في الحقول والمحاصيل، فيما سجل الأحد 7 حزيران/يونيو 188 حريقاً، بينها 53 حريقاً زراعياً، اقتصرت أضرارها على الخسائر المادية من دون إصابات.
أما 5 حزيران/يونيو، فتعاملت الفرق مع 181 حريقاً، بينها 45 في الحقول والمحاصيل، وأسفرت حرائق ذلك اليوم عن وفاة شخص وإصابة تسعة مدنيين.
تحذيرات رسمية وحملة توعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك