الدوحة ـ «القدس العربي»: دخلت منطقة الخليج العربي خلال الأسبوع الماضي مرحلة جديدة من التوتر الأمني والسياسي، مع تصاعد الهجمات الإيرانية التي استهدفت عدداً من الدول الخليجية والعربية، وما تبعها من ردود فعل خليجية موحدة وتحركات دبلوماسية إقليمية ودولية مكثفة هدفت إلى احتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة واسعة النطاق.
وفي الوقت الذي تزايدت فيه المخاوف من تداعيات التصعيد على أمن الطاقة والملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي، أظهرت دول مجلس التعاون الخليجي مستوى غير مسبوق من التنسيق السياسي والأمني، مؤكدة أن أمن دول المجلس بات أكثر ترابطاً من أي وقت مضى في مواجهة التحديات المشتركة.
وتزامنت هذه التطورات مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية بدء ضربات وصفتها بأنها «دفاع عن النفس» ضد إيران، في مؤشر على اتساع نطاق الأزمة وتداخل أبعادها الإقليمية والدولية، الأمر الذي دفع العديد من العواصم إلى تكثيف الاتصالات السياسية والبحث عن مخارج دبلوماسية تمنع تفاقم الموقف.
وفي الرياض، اتسم الموقف الرسمي بمزيج من الحزم السياسي والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية.
فقد أدانت المملكة بشدة الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت البحرين والكويت والأردن، واعتبرتها تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليميين، مؤكدة تضامنها الكامل مع الدول المتضررة.
لكن اللافت في الموقف السعودي كان اقترانه بدعوات متكررة إلى مواصلة المسار التفاوضي الذي ترعاه باكستان، مع الإشادة بالدور القطري الداعم لتلك الجهود، في إشارة واضحة إلى أن الرياض لا تزال ترى في الحلول السياسية الخيار الأفضل لتجنيب المنطقة مواجهة مفتوحة.
وبرزت قطر خلال الأسبوع الماضي كأحد أبرز الأطراف الخليجية المنخرطة في جهود التهدئة والحفاظ على قنوات التواصل السياسي المفتوحة بين مختلف الأطراف.
وشهدت الدوحة سلسلة من الاتصالات السياسية التي عكست حجم القلق الخليجي من التطورات المتسارعة، كان أبرزها الاتصال الهاتفي الذي أجراه أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي جرى خلاله بحث العلاقات الاستراتيجية الوثيقة بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها، بالإضافة إلى آخر تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، لا سيما المستجدات المتعلقة بالجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد في المنطقة.
واستعرض أمير قطر والرئيس الأمريكي نتائج المشاورات والتفاهمات التي تمت بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي أفضت إلى إحراز تقدم في التفاهمات المطروحة في إطار المسار التفاوضي.
وأكد الرئيس الأمريكي أن التفاهمات التي جرى التوصل إليها حظيت بموافقة جميع الأطراف المعنية، بمشاركة ودعم عدد من الدول الشقيقة والصديقة، من بينها دولة قطر، مع استمرار الجهود لاستكمال الإجراءات النهائية تمهيداً للإعلان عن الترتيبات الخاصة بالتوقيع على الاتفاق.
من جانبه، أعرب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن ترحيب دولة قطر بالجهود الرامية إلى حل الخلافات عبر الحوار والوسائل السلمية، مؤكداً دعم دولة قطر لكل ما من شأنه ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتعزيز فرص السلام والتعاون بين دول المنطقة.
وفي موازاة التحركات الدبلوماسية، تبنت قطر موقفاً واضحاً إزاء الهجمات الإيرانية التي استهدفت الكويت والبحرين والأردن، معتبرة إياها انتهاكاً سافراً لسيادة الدول وخرقاً للقانون الدولي، ومشددة على ضرورة وقف التصعيد والعودة إلى الحلول السياسية.
وجددت الإمارات تأكيدها على وحدة الصف الخليجي في مواجهة التحديات الأمنية، عبر إدانة الهجمات الإيرانية التي استهدفت البحرين والكويت والأردن.
وأكدت أبو ظبي أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول المستهدفة وتهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة، مشددة على تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة ودعمها لكل ما يحفظ أمنها الوطني.
وبدت الكويت خلال الأسبوع الماضي في صدارة الدول المتأثرة بالتصعيد الإقليمي، سواء على المستوى الأمني أو الدبلوماسي.
فقد أعلنت وزارة الدفاع الكويتية رصد 24 طائرة مسيّرة معادية خلال 48 ساعة فقط، مؤكدة التعامل معها وفق الإجراءات العسكرية المعتمدة، فيما كشفت السلطات عن أضرار مادية محدودة بدون وقوع إصابات بشرية.
كما شهد المجال الجوي الكويتي إجراءات احترازية دفعت السلطات إلى تعليق حركة الطيران مؤقتاً قبل إعادة تشغيلها بعد تحسن الظروف الأمنية.
وفي البحرين، كانت التطورات الأمنية أكثر وضوحاً على الأرض، حيث أعلنت قوة دفاع البحرين اعتراض وتدمير عدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت المملكة.
ورغم نجاح الدفاعات الجوية في التعامل مع معظم التهديدات، فإن وزارة الداخلية البحرينية أعلنت إصابة طفلة وإلحاق أضرار بعدد من المنازل والمركبات نتيجة سقوط شظايا ناجمة عن عمليات الاعتراض.
وحافظت سلطنة عمان على موقعها التقليدي كأحد أبرز الداعمين للحلول السياسية في المنطقة.
فقد ركزت التحركات العمانية خلال الأسبوع على التنسيق مع الكويت ومتابعة التطورات الإقليمية، في إطار رؤية تقوم على تشجيع الحوار وتغليب الحلول الدبلوماسية.
ربما كان أبرز ما أفرزته تطورات الأسبوع الماضي هو التماسك الخليجي الواضح في مواجهة الأزمة.
فقد أكد مجلس التعاون الخليجي أن الاعتداءات الإيرانية على أي دولة عضو تمثل اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، مستنداً إلى اتفاقية الدفاع المشترك.
كما حذر المجلس من تداعيات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، معتبراً أن أمن الممرات البحرية جزء أساسي من الأمن الإقليمي والدولي.
وتظهر المؤشرات الحالية أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حساس؛ فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية التي تقودها أطراف إقليمية ودولية في احتواء التصعيد، أو تتجه الأحداث نحو مرحلة أكثر خطورة قد تنعكس على أمن الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية واستقرار الشرق الأوسط بأكمله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك