حين تُقاس الاحتفالات بحجم الميزانيات لا بعمق الذاكرة، فالنتيجة حتمًا ما رأيناه ليلة الحادي عشر من يونيو في ملعب (الأزتيكا) عرضٌ ضخمٌ يملأ العين، ويُفرغ القلب.
لأول مرة في تاريخ البطولة، اختارت الفيفا تنظيم ثلاث حفلات افتتاحية منفصلة في الدول المستضيفة الثلاث ( المكسيك وكندا والولايات المتحدة ) على أن تعكس كل مراسم الهوية الثقافية للبلد المضيف.
قرارٌ جريء من حيث المنطق التسويقي، لكنه ينطوي على مفارقة جوهرية، وهي أن الافتتاح الذي (يُقسَّم) يفقد وحدته الرمزية.
تنوّعت مشاهد الافتتاح بين الضخامة البصرية، التي جمعت أزياء التراث المحلي إلى جانب أزياء مستقبلية ذات طابع كوني، ومجسمات عملاقة للكأس وألعاب نارية أضاءت السماء، وأصوات فنانين عالميين، وأغانٍ تعرفها القلوب تمثّل تنوع شعوب القارة.
وفي كل موقع كانت اللحظة تحمل ثقل التاريخ؛ إذ تستضيف هذه الدول مجتمعةً أكبر نسخة في تاريخ البطولة.
ولن يُنكر منصف أن المشاهد بصريًا كانت مبهرة، وأن بعضها جاء أكثر صدقًا وأقل تكلّفًا، راهنًا على الدفء والهوية، فيما آثر بعضها الآخر الخطاب الكوني الجامع.
لكن الإبهار وحده لا يصنع الأثر، وهو المعيار الحقيقي لتقييم افتتاحيات البطولات الكبرى.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس”كيف بدت الحفلات؟ ” بل”ماذا قالت؟ ” وهو سؤال تجد أن إجابته هنا ضبابية.
حين نستعيد افتتاح قطر 2022، نجد أنفسنا أمام نموذج مختلف جذريًا؛ حيث إن حفل قطر ما زال يشكّل معيارًا مرتفعًا من حيث الإخراج والعروض البصرية والرسائل الثقافية، التي قدّمها؛ حيث اختار الافتتاح القطري أن يقول: إن العالم الإسلامي موجود، وله حضارة، ولديه ما يقوله، وكانت رسالةً في زمن رسائله باهظة الثمن، وخرجت ناجحة رغم الضجيج المحيط بها.
الافتتاح المثالي للمونديال- كما أثبتت نسخ كثيرة- ليس الأكثر تكلفةً، ولا الأوسع استعراضًا، بل الأقدر على إيصال رسالة بسيطة وعميقة في آن كرة القدم هي اللغة التي يتحدثها البشر حين تعجز لغاتهم.
افتتاح 2026 تكلّم بصوت عالٍ جدًا، فلم يُسمع شيء.
حين يُستحضر معيار الأثر الحقيقي، يطفو على السطح الاسم الذي لم تستطع أي بطولة رياضية لاحقة أن تتجاوز ظله، وهو افتتاح أولمبياد بكين 2008.
ما صنعه الصينيون في استاد (العش) لم يكن مجرد حفل، بل كان إعلانًا حضاريًا بالصوت والصورة والجسد البشري.
افتتاح يقول بوضوح: إن الجمال المحسوب بدقة الساعة وعمق التاريخ، يظل راسخًا في ذاكرة من شاهده، يُقارَن به كل ما جاء بعده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك