في خضم المراسيم المتلاحقة وحالة الارتباك التي تسود الساحة الفلسطينية في غياب الاستراتيجية الوطنية الموحدة، والقواعد الناظمة للحياة السياسية الديمقراطية، وفي وضع يواجه فيه الشعب الفلسطيني أخطر التحدّيات في تاريخه أمام حرب الإبادة، ومخطّطات التطهير العرقي، وهجمات الإرهاب الاستيطانية، يبدو التناقض صارخاً بين احتياجات النضال والمواجهة، والدفاع عن الشعب الفلسطيني، ومستوى البنيان الداخلي الفلسطيني المطالب بتلبية هذه الاحتياجات.
ولتجنّب الغرق في التفاصيل، أو الانشغال بالصراعات الفئوية أو الذاتية، لا بد من استحضار القواعد الأساسية للحياة الديمقراطية وللعقد الاجتماعي الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين الشعب ومن يجلس في مواقع المسؤولية، سلطة وقيادة.
أولاً: ما يسمّى" الإصلاح" يجب أن يكون بدوافع وطنية فلسطينية لتلبية حاجات النضال الوطني ومواجهة التحدّيات، ولتحقيق أقصى قدر من فعالية الطاقات ووحدتها، قبل أن يكون مجرّد استجابة لضغوط خارجية أو محاولة لتحييد هذه الضغوط التي، وإن كان ما ندر منها نبيلاً، فان معظمها موجّه لتدجين البنيان الفلسطيني وتكريس الانقسام العميق في صفوفه، وشل قدرته على مواجهة المخطّطات الإسرائيلية.
ثانياً: ليست الانتخابات الديمقراطية أداة سياسية انتقائية استعمالية لتكريس سيطرة معينة على النظام السياسي، ولا مجرّد وسيلة لإدّعاء وجود الديمقراطية وهي غائبة، بل هي آلية يجب أن تُعتمد بنزاهة ومن دون تزييف أو تزوير لإعطاء الشعب حقه، ليس فقط لاختيار قياداته دوريّاً وبانتظام، بل وأيضاً لاختيار الرؤى والبرامج السياسية التي تلبّي مصالحه وتطلعاته.
وأكبر ضرر لحق بالنظام السياسي الفلسطيني، وأدّى إلى إضعافه، عدم إجراء الانتخابات الدورية للمجلس الوطني، وتعطيل الانتخابات الرئاسية 21 عاماً، وللمجلس التشريعي 20 عاماً.
وأحدث الأضرار إلغاء الانتخابات التشريعية والرئاسية التي اتفق عليها في 2021 بموافقة جميع القوى والفصائل الفلسطينية في القاهرة، والتي لو جرت لربما كان الوضع الداخلي الفلسطيني أقوى وأمتن، ولأمكن تجنّب خلافات وأضرار كثيرة بوجود مركز فلسطيني واحد للقرار الموحد.
ثالثاً: لا تتحقّق الديمقراطية إلا بقبول مبدأين أساسيين: التبادل السلمي للسلطة، وفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وينطبق هذا ليس فقط على أجهزة السلطة إن وجدت، بل أيضاً على بنيان حركات التحرّر الوطني، وفي الحالة الفلسطينية يفترض أن ينطبق على بنيان منظّمة التحرير.
وعدم تحقيق المبدأين هو ما يُفَرخ الانقسامات والانشقاقات والصراعات الداخلية التي تنهك الشعب الفلسطيني وبنيانه السياسي والنضالي.
إجراء الانتخابات لأي مجلس أو هيئة يجب أن يسري على الجميع، ولا يستبدل في بعض المناطق أو بعض الأحيان بالتعيين، أو انتقاء الأشخاص الملائمين لمن يقوم بالانتقاءرابعاً: خوض الانتخابات حقٌّ لكل فلسطيني، ولكل تنظيم أو تجمع وطني فلسطيني، ولا يمكن تنفيذه بفرض شروط تبني آراء أو برامج سياسية معينة، كما ظهر في المراسيم الصادرة، لأن هذا يمسّ صراحة أول أسس الممارسة الديمقراطية، حرية الرأي والتعبير.
خامساً: في ظروف الوضع الفلسطيني والتحدّيات التي تواجهه، الحرص على أن تكون الممارسة الديمقراطية وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية أمر طبيعي، ومن دون السماح بأن تستخدم العملية وسيلة لاستثناء قوى مهمة في الساحة الوطنية وإخراجها من النظام السياسي.
سادساً: مبدأ وقاعدة الحقوق المتساوية يعني أن إجراء الانتخابات لأي مجلس أو هيئة يجب أن يسري على الجميع، ولا يستبدل في بعض المناطق أو بعض الأحيان بالتعيين، أو انتقاء الأشخاص الملائمين لمن يقوم بالانتقاء.
وهنا يكتسب سجل الناخبين أهمية قصوى لضمان عدم التمييز أو الاستثناء.
ومن الطبيعي وجود صعوبات في إجراء الانتخابات لممثلي الخارج في المجلس الوطني في بعض البلدان، ولكن هذا لا يُحل باستبدال مبدأ الانتخاب بالتعيين أو التوافق، بل بابتكار آليات سليمة ودقيقة للتصويت في عصر التكنولوجيا الرقمية التي تتيح أشكالاً عدة للتصويت الانتخابي المُراقب والدقيق.
وفي حالة الضفة الغربية، آخر ما يمكن قبوله استثناء الاحتلال القدس من الانتخابات.
ولذلك يجب الاستعداد لتطبيق ما سبق التوافق عليه من آليات إبداعية ستضمن مشاركة أهل القدس، رغم أنف إجراءات الاحتلال، بدل أن يُعطى الاحتلال حق الفيتو على الانتخابات الفلسطينية، بعدم السماح بإجرائها في القدس كما جرى عام 2021.
إنجاز انتخابات ديمقراطية حقيقية وإصلاح حقيقي إن خلصت النيات، لا يتم بإصدار مراسيمسابعاً: تواجه منظمة التحرير مصاعب جمّة، وأوضاعاً داخلية جعلتها عاجزة عن أداء دورها الرئيس قائدة للنضال الوطني التحرّري، وتواجه السلطة التي تعاني من غياب تام للفصل بين السلطات تحدّياتٍ من احتلال يسلبها كل يوم صلاحياتها تمهيداً لتصفيتها بالكامل، بعد أن صارت عاجزة عن أداء التزاماتها تجاه موظفيها وتلبية حقوق الجمهور الفلسطيني، الذي تحكمه صحياً وتعليمياً واجتماعياً، أو الدفاع عنه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
ويقتضي هذا كله حواراً وطنياً جامعاً فورياً للتوافق على استراتيجية وطنية كاملة وموحّدة لمواجهة كل التحدّيات، وخصوصاً مخاطر الاستيطان والتهجير والإبادة الجماعية والخطر الأعظم بتكرار نكبة 1948، بصورة أشد وأقسى، على يد حركة استعمار استيطاني إحلالي فاشية لا حدود لجرائمها ولا رادع لاعتداءاتها.
إخيراً، إنجاز انتخابات ديمقراطية حقيقية وإصلاح حقيقي إن خلصت النيات، لا يتم بإصدار مراسيم، من دون حوار وطني وتوافق وطني كما جرى في 2021 لانتخابات، أُلغيت للأسف ولم تنفذ.
ولذلك، الاستجابة للدعوة التي أطلقتها الجبهتان الشعبية والديمقراطية والمبادرة الوطنية بإجراء حوار وطني سريع للوصول إلى توافق حول كل ما ذكر، أصبح أمراً ملحاً، نأمل أن نراه يتجسّد في الواقع من أجل حماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل من المصالح الذاتية، ومن عواصف تدخلات خارجية لا أول لها ولا آخر، لا تهمها المصلحة الوطنية ولا مستقبل الشعب الفلسطيني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك