مع استمرار الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، تتزايد المؤشرات على اتساع تداعيات الصراع العسكري لتشمل جوانب إنسانية وأمنية أكثر تعقيدًا، في وقت تتواصل فيه المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع على أكثر من جبهة.
وبينما تشهد مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان تصاعدًا في الهجمات بالطائرات المسيرة، تتحدث منظمات حقوقية عن أوضاع مقلقة للنساء والفتيات المحتجزات في مناطق مختلفة من إقليم دارفور.
وفي خضم هذه التطورات، يواصل الجيش السوداني عملياته العسكرية الرامية إلى استعادة المناطق الواقعة خارج سيطرته، بينما تتزايد المخاوف من انعكاسات الحرب على المدنيين الذين يجدون أنفسهم في قلب الصراع.
الأبيض تحت نيران المسيراتشهدت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، فجر السبت، هجومًا جديدًا بطائرات مسيرة نُسبت إلى قوات الدعم السريع، استهدف محطتي وقود داخل سوق المدينة، وفق ما أفادت به مصادر محلية.
وأوضحت المصادر أن الهجوم نُفذ في ساعات الصباح الأولى، في امتداد لسلسلة من الضربات الجوية التي تعرضت لها المدينة خلال الأيام الأخيرة، وسط تصاعد حدة المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في إقليم كردفان.
ويأتي هذا التطور بعد أيام من هجمات مماثلة استهدفت المدينة، حيث أفادت شهادات محلية بأن غارات نُفذت فجر الخميس أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 14 مدنيًا، بينهم ثلاثة أفراد من أسرة واحدة، إلى جانب إصابة عدد آخر من السكان، إثر سقوط طائرات مسيّرة على أحياء سكنية داخل المدينة.
كما وثّقت شبكة أطباء السودان، خلال الأيام الماضية، مقتل أكثر من أربعة أشخاص وإصابة 12 آخرين في هجمات استهدفت موكب تشييع ومحطة وقود داخل الأبيض، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة بشأن اتساع دائرة الخسائر وسط المدنيين.
وبحسب مصادر محلية، فإن إحدى الضربات السابقة أصابت منزلًا سكنيًا بصورة مباشرة، ما أدى إلى مقتل امرأة حامل واثنين من أفراد أسرتها، فيما جرى نقل عدد من المصابين إلى المرافق الصحية لتلقي العلاج.
وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع مصورة أظهرت حجم الدمار الذي لحق بعدد من المنازل والمنشآت المدنية جراء الهجمات، بينما لم تصدر الدعم السريع تعليقًا رسميًا بشأن هذه الاتهامات.
وقال سكان محليون إن إحدى الهجمات بدأت نحو الساعة الرابعة فجرًا واستمرت لفترة طويلة نسبيًا، ما تسبب في حالة من الذعر وسط السكان وأجبر العديد من الأسر على مغادرة منازلها مؤقتًا.
ارتفاع حصيلة هجمات استهدفت الأبيض إلي 23 قتيلاوفي سياق متصل، ذكرت منظمة" محامو الطوارئ" أن حصيلة الهجمات التي استهدفت الأبيض يومي الأربعاء والخميس بلغت 23 قتيلًا و19 جريحًا، مع ترجيحات بارتفاع عدد الضحايا نتيجة وجود إصابات خطيرة.
وأضافت المنظمة أن إحدى الضربات استهدفت شاحنة محملة بالمواد الغذائية عند المدخل الجنوبي للمدينة، ما أدى إلى مقتل سائقها، مشيرة إلى أن عدداً من الهجمات وقعت بالقرب من مناطق مأهولة بالسكان ومحيط قيادة الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش السوداني.
مدينة الأبيض تحظي بأهمية استراتيجيةوتعد الأبيض إحدى أهم المدن الاستراتيجية في السودان، إذ تمثل مركزًا رئيسيًا للعمليات العسكرية التابعة للجيش في إقليم كردفان، كما تشكل عقدة مواصلات وإمداد تربط بين وسط البلاد وغربها، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام العسكري بها خلال الأشهر الأخيرة.
البرهان: المعركة مستمرة حتى استعادة السودانفي ظل هذا التصعيد العسكري، جدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأكيده على استمرار العمليات العسكرية حتى استعادة السيطرة الكاملة على الأراضي السودانية.
وخلال مخاطبته للمصلين في مسيد الشيخ الخليفة علي بركات بمنطقة العيلفون شرقي الخرطوم، أكد البرهان أن القوات المسلحة ماضية في تنفيذ أهدافها العسكرية ولن تتراجع قبل إنهاء التمرد واستعادة الأمن والاستقرار في البلاد.
وقال إن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 تقف وراءها جهات خارجية تسعى إلى إضعاف السودان وزعزعة استقراره، لكنه شدد على أن إرادة السودانيين قادرة على إفشال تلك المخططات.
كما دعا المواطنين إلى التحلي بالصبر والثبات في مواجهة التحديات الراهنة، مشيرًا إلى أن الأزمات المرتبطة بالكهرباء والوقود، رغم صعوبتها، تبقى أقل وطأة من تداعيات الحرب التي تعيشها البلاد.
وأشار البرهان إلى الدور الذي لعبه أهالي منطقة العيلفون في دعم القوات المسلحة خلال مراحل مختلفة من الحرب، موضحًا أنهم ساهموا في إيصال الإمدادات إلى القوات الموجودة في الخرطوم قبل سقوط مدينة ود مدني، كما كان لهم دور في دعم صمود سلاح المهندسين حتى تمكن الجيش لاحقًا من استعادة السيطرة على العاصمة.
وتطرق رئيس مجلس السيادة إلى دور الطرق الصوفية في المجتمع السوداني، مشيدًا بإسهاماتها في نشر قيم الإسلام المعتدل وتعزيز روح التكاتف والتسامح بين المواطنين.
ورافق البرهان خلال الزيارة الفريق محمد علي صبير، رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، في خطوة عكست الأهمية الأمنية والعسكرية للمرحلة الحالية.
دارفور.
ملف النساء المحتجزات يعود إلى الواجهةعلى صعيد آخر، أعادت المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي" شبكة صيحة" تسليط الضوء على أوضاع النساء والفتيات المحتجزات في مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع بإقليم دارفور.
وقالت الشبكة في بيان صدر الأربعاء إن قوات الدعم السريع ما تزال تمارس عمليات احتجاز واختطاف وإخفاء قسري بحق النساء، خاصة في دارفور، معتبرة أن هذه الممارسات أصبحت جزءًا من نمط متكرر يقوم على التمييز العرقي والنوعي ويستخدم كوسيلة للترهيب والاضطهاد.
وأوضحت المنظمة أن مراكز الاحتجاز التي تديرها قوات الدعم السريع تعمل خارج الأطر القانونية والقضائية المعروفة، حيث يتم احتجاز المدنيين دون رقابة قضائية أو محاكمات عادلة، وفي ظروف وصفتها بالسيئة.
وأضافت أن عمليات الإفراج عن المحتجزين تتم في بعض الأحيان بناءً على تقديرات قادة الدعم السريع أو مقابل دفع فديات تصل إلى ثلاثة ملايين جنيه سوداني، الأمر الذي يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على الضحايا وأسرهم.
ووفقًا لما وثقته المنظمة منذ أبريل 2023، فإن الانتماء العرقي أو الاشتباه بالتعاون مع القوات المسلحة السودانية يعدان من أبرز أسباب الاعتقال والاختفاء القسري في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.
وأشارت الشبكة إلى أن نحو 250 امرأة ما زلن محتجزات في سجن شالا بمدينة الفاشر منذ سيطرة ميليشيا الدعم السريع على المنطقة في أكتوبر 2025.
كما تحدثت عن اعتقال 12 امرأة بمدينة كتم في أبريل 2026 عقب هجوم بطائرة مسيّرة، حيث أُطلق سراح سبع منهن لاحقًا، بينما لا يزال مصير الأخريات مجهولًا.
وفي مدينة نيالا والمناطق المحيطة بها، أفادت تقارير بتعرض فتيات صغيرات للاختطاف بواسطة مسلحين يستقلون دراجات نارية، في وقت تحدثت فيه المنظمة عن حملة اعتقالات واسعة شملت نحو 150 امرأة وفتاة في مدن نيالا وكاس وزالنجي.
وضمت قائمة المعتقلات، بحسب المنظمة، ناشطات وصحفيات وقيادات مجتمعية، من بينهن مواهب إبراهيم، والدكتورة مناهل مصطفى السنوسي، وزهراء محمد الحسن، وأزدهار عبد المنعم حامد، ومجدة حسن علي، وسارة مصطفى، وإشراقة عبد الرحمن.
وأشارت الشبكة إلى أن اعتقال هؤلاء النساء جاء عقب مشاركتهن في ورشة عمل حول حقوق المرأة عُقدت في مارس 2026.
ورغم الإفراج عن 27 امرأة وفتاة بعد مراجعة ملفاتهن بواسطة لجنة قضائية وأمنية، أكدت المنظمة أن أكثر من 600 امرأة وفتاة ما زلن محتجزات في سجن النساء الكوري بمدينة نيالا، من بينهن فتيات لا تتجاوز أعمار بعضهن 14 عامًا.
وفي زالنجي، قالت المنظمة إن 15 امرأة يعملن في بيع الشاي والخضروات جرى اعتقالهن ويُحتجزن في مبانٍ تتبع للسجل المدني وجهاز الأمن السابق، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع أسرهن التي تعتمد على دخلهن اليومي.
أزمة تتجاوز الميدان العسكريتكشف التطورات المتزامنة في شمال كردفان ودارفور عن اتساع نطاق تداعيات الحرب السودانية، حيث لم تعد المواجهات العسكرية تقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل باتت تمتد إلى حياة المدنيين اليومية، سواء عبر الهجمات بالطائرات المسيّرة أو من خلال ملفات الاحتجاز والنزوح والانتهاكات الإنسانية.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية وتبادل الاتهامات بين أطراف الصراع، تبقى معاناة المدنيين العنوان الأبرز للأزمة السودانية، فيما تتواصل الدعوات المحلية والدولية لوقف الحرب والبحث عن تسوية تضع حدًا لأحد أكثر النزاعات تعقيدًا في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك